25-أبريل-2014 |كِتابُك-اليوم الثامن
مثلا ممكن يعني بعد اذنكم نقلبو خط ناقل للمياه العذبه ونربط طرفو الهنا بدل في هجليج البقت غلبه وجلبه نربطو في اي مكان في النيل اها كده ممكن نصدر بيهو مويه للعطاشي الاغنياء في الاردن والسعوديه او اسرائبل ذاتا لو كشكوشن حاضر وبره دا طبعا بعد اذن هيئه علماء السودان لانو قالو بزعلو او جامعه الدول العربيه او بالعدم كرم الله والي القضارف ( الزول صغير وماعارف) نسبه لدعوته الحديثه0( بررررررررررررررره اهو دي الجرايد قدامي ) اشششششششش ولاكلمه
في طبعا فات علي اقول انو الاقتراح الفات دا حيكلفنا صابون وليف كتير لانو الريحه الله اعلم تطلع بدون غسيل نضيييييف ومعاهو ليمون زي الزول الماكل السمك ودا قد يكلف الخزانه العامه صابون وليمون وانا اعتذر عن كل مايمكن ان يسببه اقتراحي من رغوه في هذه البلاد دون قصد مني بذلك مما قد يساعد في ارتفاع سعر الدولار وانخفاض تكلفه الابار وتدهور اوضاع حقوق الانسان ونقص الرقعه الزراعيه لكم العتبي حتي ترضو او لاترضو بذلك
برضك هنا اقتراح تاني
نقلب الخت دا بدل جاي من الجنوب للشمال نوديهو من الشمال الغربي للجنوب الشرقي يعني باختصار نجرو ونستعدلو لمن يبقي خت من ليبيا لي اثيوبيا ويبقي ينقل بترول من ليبيا للحبش ديل وكده ح يكفينا شر الحوجه للصابون والليف ويبقي الخت بي عفنتو ذااااتا ينقل البترول العفن دا ذاااتو بس للامانه والتاريخ في الحاله دي بنحتاج لي سباك شاطر لزوم تحويل الخت والي عدد اتنين كوع كبير . الكوع الاول في الجيلي عشان نحول المسار لي اثيوبيا والكوع التاني في ابو حمد عشان نغير الاتجاه من بورسودان لي ليبيا وهذه يمكن توفيرها بمساعده الخيرين والله لايضيع اجر من احسن نقلا
بعدين في الحاله الاخيره دي ممكن نحن كدوله في النص نحلب قدر ما الله يدينا كمقابل لي اقتراحنا العبقري كدوله ممر ونشوف سباك شاطر يركب تي في حتتنا دي وما تمر جغمه بترول من هنا والا ناخد حقنا علي داير البرميل
اها كان الكلام دا كولوووو مامقسم معاكم يبقي فضل اقتراح تاني كمان
ايوا ناجرو للصين او امريكا
وفي الحاله دي بس محتاجين سمسار صيني
واحد من بورداب الصين يختف لينا رجلو يمشي عماره الضرايب حقه السوق العربي في بكين يشوف لينا زول شاطر يتم لينا الشغل دا
هم يدفعو للحيكومه وبعد داك مخيريين ياجرو للزول الدايرنو
المهم الصين او امريكا تدفع للحكومه الكنجالات وبعد داك بي طريقتن علي شرط يدفعو العوايد والنفايات عشان مايدخلونا في حرج مع المحليه
اللهم اني قد بلغت
وبي كده نكون استفدنا من الخرتوش الطويل الممدد من هنااااك لي هنااااك بدون مانعرف مستقبلو ح يكون شنو وشكرا لكم علي
حسن المتابعه كما اشكر المواطن علي حسن سلوكه
Share |
(   إطلاع: 1886   تعليق: 1)

التعليقات
2012-04-23 21:38:16،بواسطة:بكرى العجمى
الزول دا بالطريقة دى بينفع رئيس دائم للسودان الهامل دا.. هههههههوالله جدعتو حلوة
فاطمة القواس وابنها زايد هما بطلا الصورة التي التقطتها عدسة المصور الاسباني سامويل أراندا ونشرتها صحيفة "نيويورك تايمز"، والتي فازت بأكبر جائزة للتصوير الصحفي لعام 2011م..رسمت هذه الصورة المعاناة التي عاشتها الشعوب العربية في ربيعها .. لكن ما وراء الصورة يكشف قصة صمود وكفاح عائلي تميزت به الثورة اليمنية.

فاطمة التي لم تكمل دراستها الابتدائية حيث تزوجت وعمرها أحد عشر عاما وأصبحت أم في السادسة عشرة , وانتقلت للعيش في الريف بعد ان ولدت في الرياض السعودية، وتربت بضع سنين في صنعاء .معاناة فاطمة تختزل مآسي الكثير من اليمنيات اللاتي كن ضحايا الجهل والظلم والفقر. وحين قامت الثورة لمناهضة هذه الأوبئة كان حضور المرأة اليمنية بالغ الأثر والفاعلية، فليست النائحة الثكلى كالمستأجرة .

تحكي فاطمة أن السبب الرئيس وراء التحاقها بركب الثورة هو الوضع البائس الذي يعيشه السواد الأعظم من اليمنيين ودائما ما كان يؤرقها أمراض الناس وأوجاعهم بالإضافة إلى سوء ظروفهم المعيشية، ودائما ما تتذكر مواقف للفقراء الذين كانت تراهم في قريتها، علقت بذاكرتها الكثير منها، وتحكي بحرقة عن الفتاة التي جاءت لتعمل معهم "كانت الفتاة من أحد الأسر الفقيرة في قريتنا وكانت تأتي لتساعد عمتي في أعمال الزراعة بأجر بسيط، وفي أحد الصباحات أحسست بأنها جائعة من وجهها الشاحب فأعطيتها كسرة خبز وشاي، وهي ما نقدمه عادة في القرية، وعندما بدأت تأكل تصبب العرق من جبينها وسألتها كنت جائعة أليس كذلك ؟ إنهمرت الدموع من عيناها وهي تخبرني بان آخر ما تناولته كان قبل يومين واكملت طعامها مع الدموع..".

تتذكر فاطمة هذه القصة بحرقة خصوصاً وأن هذه الفتاة ظلت تعاني آلام المرض الذي فتك بها عاجزة عن العلاج، تقول" بكيت كثيراً حين ماتت(سودان) فقد كانت حياتها مليئة بالمتاعب والألم ولم ابكي على فراقها بقدر بكائي من الألم الذي كانت تعيشه ولعل الله رحمها".

ذاكرة مشحونة بالحزن

ذاكرة فاطمة مليئة بالقصص الحزينة لأوضاع الناس والشقاء الذي يعيشه اليمنيون، فلم تكن بحاجه لأي حافز يقنعها بالخروج لثورة الشباب، فقد خرجت هي وعائلتها بالكامل نصرة للمظلومين والبؤساء ,وكان أول عمل ثوري لهذه العائلة هو صنع أقراص الكعك الذي كتبن عليه (سلمية) وأرسلنها في أول يوم للاعتصام في ساحة التغيير بصنعاء، وتحكي فاطمة عن ذلك بكل فخر "كانت أسرتي أول أسرة ترسل الكعك للمعتصمين وكان أملنا أن تحتذي بنا الأسر اليمنية وهذا ما حدث بالفعل وبدأت قوافل الكعك تتوافد للساحات و مازلنا مستمرات في إمداد المعتصمين بما نستطيع رغم كل المعوقات والظروف التي مررنا بها" .

لم تكن فاطمة ومثيلاتها يرسلن الكعك فقط بل.. والأبناء، ليرسمن انصع صورة للتضحية والثبات، وكما نقشن على الكعك مفردات للثورة حفرن في قلوب الأبناء حب الوطن والبذل في سبيل أن يبنوا اليمن الجديد.

وكأي أم، لا تخفي فاطمة مشاعر القلق التي كانت تعتريها على ابنها زايد، وبالذات بعد أن كان أصدقائه يخبرونها عن مواقفه في المسيرات، وكيف أنه كان دائماً ما يقف في الصفوف الأولى ، وفي بعض الأحيان يسبق الحاجز الأول من الشباب ليكون دائماً في الواجهة.

مشاركة زايد في المسيرات دفعت فاطمة للتواجد في المستشفى الميداني لساحة التغيير بشكل شبه يومي، وأثناء تلك الزيارات لم تكن تهتم بولدها فقط، كانت تمر على الجرحى لتطمئن على حالهم وتقديم أي مساعدة تستطيع القيام بها، كانت مؤمنة بفاعلية دورها وإن كان بسيطاً ، وتضيف فاطمة "بينما كنت أمر في المستشفى الميداني وجدت أحد الجرحى كبير في السن وقد اخترقت رصاصة فخذيه وكان يحاول تناول الغداء ولم يستطع أن يجلس لكي يأكل، فأخذت الملعقة وبدأت بإطعامه لكنه فاجئني حين أجهش بالبكاء، ولكم تألمت ذلك اليوم ،وبعدها بدأت أمر على الجرحى للتأكد إذا كانوا يستطيعون الأكل لأن الضغط الذي كان يحدث بالمستشفى الميداني لم يكن يسمح للطواقم الطبية هناك بمتابعة بعض التفاصيل، لذلك كنت مؤمنة أن دوري مهم بالرغم من بعض التعليقات التي كنت أتلقاها من بعض أفراد الأسرة أن ذهابي للمستشفى غير مجدي وأني لست طبيبة ولا ممرضة، لكني كنت موقنة انه لا بد أن أكون هناك وسوف أجد العمل الذي يجب علي القيام به".

تضحك فاطمة وهي تتذكر احد المواقف "أصبح البعض ينادوني بالدكتورة، وفي احد المرات وضعت تلفوني في الصيدلية واتصلت أختي وأجابها الموظف وقال لها الدكتورة في الداخل عاودي الاتصال بها لاحقا، ظلت أخواتي لفترة وهن يذكرن صدمة أختي أني أصبحت دكتورة ويضحكن.. حتى في أحيان كثيرة إذا أردن ممازحتي ينادينني بالدكتورة فاطمة".

لم يثني فاطمة شيء من المشاركة بالثورة، كما انها تشارك دائما بالمسيرات والفعاليات حيث اصبحت الثورة والساحة كونها الذي تدور حوله والبحر الذي تعيش فيه.

مشاهد لم توثقها العدسات

وهناك حيث كان صراخ الجرحى والألم الذي اختزلته عدسة المصور الاسباني كانت فاطمة تحتسي جزء منه، ففي أحد المرات شوهدت فاطمة وهي تبكي بالمستشفى ،على ندرة لحظات بكائها، بعد أن رأت أحد الشهداء حال وصول جثته الى المستشفى وقد سألها البعض هل هو من أقاربها؟، لكنهم تفاجئوا انه احد الجرحى في المسيرة السابقة، تتذكر فاطمة ذلك اليوم "حين ادخلوا الشهيد وهو احد الضباط في الفرقة لمحت أن إصبعه مقطوع وحين اقتربت منه عرفته انه هو ذلك الجريح الذي أصيب في الشهر السابق وقد قطعت إصبعه يومها ، أكثر ما لفتني إليه نظرات السرحان التي لم تكن تفارقه"، تصمت فاطمة قليلاً وتواصل، "في يوم استشهاده سمعت زوجته وهي تبكي وتقول إن ابنهما لم تمر فترة طويلة على موته وكان في الثانية عشرة من عمره، لربما كان يفكر بولده ...".

كالحياة كانت تجربة فاطمة بالمستشفى الميداني مزيج من السعادة والرضى والبكاء والألم، لكن هذا الأخير كان هو الأبرز في تلك المساحة من اليمن حيث التقطت الصورة بالرغم من أن ثمة الكثير من الصور لم ترها عدسة "سامويل" ، ومازالت ذاكرة فاطمة مليئة بالصور التي تستحق الفوز والتكريم.
Share |
(   إطلاع: 2138   تعليق: 0)
ظلت الطبيعة الانسانية ترفض على مر السنين السلوك الانسانى النشاز والمبادرات التى يمتعض منها الاخرين بالذات التى ترتبط بحياتهم مثل الانانية والثرثرة وكثير من تلك الصفات السالبة وقد ابدعت العقلية السودانية فى وصم كل اصحاب السلوك المنافى للقيم الانسانية، ولان الانقاذ ومنسوبيها كانو الاكثر اثارة انطبقت عليهم كثير من المقولات الشعبية وبعد ان وصلت البلاد الى هذا المستنقع المؤلم تذكرت وصف سودانى ينطبق على قليلى الاحساس ومتبلدى المشاعر الذين لا يعرف الخجل والاستحياء الى نفوسهم مدخلا اذا يقال للشخص الجرئ عديم الخجل (دمو بقرى ) وقد تجلت تلك الكلمة فى شخصية البشير اظل اتساءل الا يختشى هذا البشير من كل تفاصيل حكمه السيئة الممتدة نحو عشرين عاما ؟؟ كثيرة تلك هى المنعطفات التى استوجبت الخجلة ولكنها مع اعدام الحساسية الوطنية والانسانية كانت النتيجة مزيدا من التعنت والتخبط السياسى والدمار الوطنى.
الا يختشى البشير من انقلابه العسكرى وتسلمه للسلطة بقوة السلاح فى وقت تنادى فيه الاخلاق بطرح الرؤى والتبشير بالبرنامج السياسى والمناداة بالتغيير وفق اسس سياسية رشيدة حتى تقنع الاخرين ببرنامجك السياسى اما اعطوك او منعوك وفى كليهما قيمة ديمقراطية مشرفة ؟
الا يستحى من ابتدار برنامجه المزعوم لانقاذ الوطن بتبنى سياسة التمكين التى ما كانت الا تناقضا اخلاقية لما برر به ثورته اذ افقرت تلك السياسة البسطاء واغتنى فى ظلها المنتفعين والمنتمين للنظام والمرتمين فى احضانه من الارزقية والرجرجة الدهماء ؟
الا يخجل البشير من التدهور الذى اصاب الخدمة المدنية بعد ان كانت مثالا للانضباط والعفة والنزاهة بعدما مستها ايادى الفساد الاداى وتسممت بداء المحسوبيات البائد فكان حصاد الهشيم الانتاجى فدمرت مرافق كانت لؤلوة فى جيد الخدمة المدنية ؟
الا يستحى البشير من التديين المقيت لحرب الجنوب واصباغها بصبغة الجهاد مستغلا بساطة الناس ومتسلقا لعقولهم بالوازع الدينى الذى تميزوا به فتعالت اصوات المدافع واستعرت الحرب بصورة وحشية يدمى لها الجبين الانسانى .
الا يخجل الرئيس السودانى من الدمار الذى ضرب التعليم فانتج الامية الجامعية والخواء الفكرى لكثير من خريجى الجامعات الذين لايدرسون الا تاريخ العلم فيتجاوزهم التقدم العلمى ومواكبة التطور وهو الذى فى عهده المسموم تعربت الجامعات وتمددت عددا على حساب الانتاج العلمى فسقطت المراتب المتقدمة التى كانت تحظى بها الجامعات السودانية ضف الى ذلك الطرق التى اديرت بها الجامعات من قبل سدنته والممارسات التى لاتمت للتعليم بصلة من سلوك سياسى لطلاب المؤتمر الوطنى وتدخلهم السافر فى شؤون الطلاب وتذويرهم للارادة الطلابية وعمليات الابتذاذ الاكاديمى لكثير من معارضى النظام من طلاب التنظيمات الاخرى والاعتقالات التى طالت الكثيريين من ذوى الانشطة المنتقدة لسلوك حزب البشير ولا ننسى الاغتيالات التى تمت فى تلك الفترة فكم من شهيد اسقطته رصاصة الامن الانقاذى وهو يطالب بحقوقه الاكاديمية والوطنية فى وطن امتدت اليه ايادى تجار الدين ؟
الا يستحى البشير من صرخات الفقراء فى جميع انحاء السودان وحالة الافقار التى تسبب فيها سياسة حزبه الاقتصادية البائسة نتاجا لما يعرف بمثلث حمدى العقيم وسياسة الخصخصة التى اضرت بالاقتصاد الوطنى فبيعت المؤسسات بابخس الاثمان ؟ وبعطاءات كانت مشبوهه مثال فندق قصر الصداقة والاسواق الحرة والبنك العقارى
الا يختشى البشير من الطريقة الوحشية الا انسانية وهو يقصف القرى فى دارفور ويشعلها حرب انسانية ابكت العالم من حولنا فاحرقت القرى واغتصبت الفتيات فكانت فاجعة انسانية بمعنى الكلمة
الا يخجل الرئيس السودانى من انتهاج سياسة المحاباة القبلية وتأجيج النزعة العرقية التى هتكت النسيج الاجتماعى بعدما كان فى غاية التماسك ؟
الا يستحى على المسلك السياسى البائس بعد اتفاقية السلام والطريقة التى نفذت بها الاتفاقية من جانب حزبه من عدم التزام وزرع الفتن ونقض المواثيف التى لم تفضى الا لانفصال الجنوب ؟
الا يستحى من حربه التى شنت على اهلنا فى جبال النوبة والدمازين وافرزت واقع انسانى فى غاية الالم وتشرد بسبب هجمات القوات المسلحة آلاف المواطنين العزل ؟
الا يخجل الرئيس السودانى من صمته المخجل بخروج حلايب من خارطة الوطن السودانى ودفن راسه فى رمال الرعب المصرى ؟ والاكثر فجاعة اهدائه للمصرين عدد ضخم من الابقار بعد ثورتهم التى اطاحت بمبارك وكثير من ملامح الضعف مقابل السلطة ؟
الا يخجل البشير من الوقاحة التى يتميز بها رجال دولته وهم يوزعون السخرية والمفردات المستفزة لجماهير الشعب السودانى امثال (لن نعطيه (حقنة) في المستشفى ) كما قال كمال عبيد ؟
(عندما جئنا الى السلطه الشعب السودانى كان مثل الشحاتين )كما قال الطفل المعجزة
(قبور المعارضة بعد الانتخابات جاهز) كما قال نافع
الا يختشى البشير من الفساد المالى والنهب المؤسس والسرقة التى تتم من قبل منسوبى حزبه وارصدتهم الخاريجية واستثمارتهم الداخلية من فنادق خمسة نجوم الى شركات برؤوس اموال ضخمة هى ملك للشعب السودانى ؟
الا يستحى البشير باكتشاف الاموال الباهظة التى اكتظت بها خزائن قطبى المهدى
ختاما الا يخجل البشير من صرخات الغضب التى عمت كثير من اجزاء السودان منادية بسقوط امبراطورية قمعه الذى اثبتت عشرينيته انها الافشل والاكبر رصيدا بائسا فى ملفات الحقوق الانسانية،والاكثر نهبا لموادر الشعب
فاذا لم يختش بعد كل تلك الفجائع الا تكفى تلك المرارات ان يسقطه الشعب ويذهب به وحزبه الى مصير يستحقونه . كرفاقهم فى مصر وتونس ؟؟

Share |
(   إطلاع: 2210   تعليق: 0)
بقلم : الطيب بشير


1))

كانت القرية تعتمد على أطفالها في كثير من الواجبات و الأعمال الشاقّة، لعدم وجود ملاهي، و كان أهلونا يقايضون ذلك بصكـوك الرجـولة يوزّعونها على الأكثر نشـاطآ فيما يلقى الكسـول تقريعآ حانيآ يتراوح بين ممسوخ و مسخوت لكن البسـمة المرافقة لكل ذلك تؤكّـد غفران مسـبق لكل أشكال العصيان الطفولي و التمرّد البريء.
كنت أتذرّع بالحصة الصباحيّة لكي لا أذهـب لشراء الخضار و اللحمة في كلّ صباح! فأهل قريتنا ما كان باختيارهم أكل الطازج يوميّآ لكنّ الثلاجة كانت عند العمدة و البقال الوافد و المفتش الزراعي الذي كان يضطر لتشغيلها بطاقة بدائية غير الكهرباء و حاجة التومة الدّاية التي يقال إنها اشترتها معطّلة للتباهي و الديكور فقط. كان أخي يحرص على تقسيم الأعمال بيننا فجزاء إعفائي من التسـوّق الصباحي هو حمل القمح أو الذرة و الذهاب للسوق لطحنه ليتسنى لأمّي أو مساعدتها، بحسب الحال، إعداد الخبز البلدي و الذي كان أحد خيارين الذرة للكسرة أو القمح للقراصة و لا نعرف لهما ثالثآ إلا بظهور ضيف تقلى له (اللقيمات) و رمضان يخبز له (الرقاق) و عيد يجهّز له الكحـك.
المشوار للسـوق كان قاسيآ حيث نخرج من البيت بعد الغداء مباشرة، أي الثالثة ظهرآ، و يحمل الواحد منّا صفيحة قديمة بها (ربع) أو (ملوة) من القمح أو الذرة، تحملها على كتفك و تمشي بحذاء ظل جدران البيوت تحاشيآ للهاجرة التي لا ترحم و تقاطعك أسئلة القرويين التي لا تنتظر إجابة:
شنو يا ود الشـيخ ماشي الطّاحونة؟
و آخر يبتعد قليلآ من مدخل الكنتين حيث يجلس المعاشيّون في ظل الشجرة و يرفع جلبابه و يمسك طرفه بأسنانه فتحسبه يستعد للجري لكنّه ينزع رباط سرواله، مما يفيد التهيّـؤ للتبوّل بجوار حائط، و هـو بعـد لا ينسى حظّـه من الحديث مع العامة:
يا ولد لا تمشي طاحونة عبدالرّازق، الحجـر بتاعها ما مسنون و بيطلّع ليك دقيق دراش، و يغمض الحاج عينه اليسـرى أثناء الحديث النّاصح تدليلآ على ارتياحه لخروج البول بعد جلسـة لعبة النّرد التي تشـغـله عن تلبية تفاصيل حياته الطبيعيّة.
كانت (الطّـاحـونة) ملهى كبير لأطفال القرية، حيث يكفي عند حضورنا أن ننزل الحـمـل على الميزان الكبير فيقوم العم مساعد بتأكيد ما قرّرته الوالدة بالبيت من أن خبزنا انما هو نصف كيلة أو ربعها و يكتب على ظهر الصفيحة رقمآ و حرفآ يعمد تعميته على أولاد المدارس و يلعن تسابقهم في كشفه و قراءته فحتّى العم مساعد كان يريد إخفاء سـر المعرفة مثل دهاقنة الكنيسـة و ساسـة اليوم. لم يكن العم مساعد يكتب على الصفيحة بقلم ملوّن بل هو مسواك قديم مغموس في علبة أنناس، أستطيع أن أجزم أنّه قد حصل عليها فارغة، و يمزج بها ماء و محشـوّ حجارة البطارية الجافة ليصير السائل الأسود علامة تميّز (ماعون) أيّ منّا، و كان حريصآ على كتابة إيصال يحمل نفس الرقم و تسليمه لنا بعد أن ندفع القرش أو القرشين بحسب وزن طحيننا، و قد كان العمل منظّمآ جدّآ و الكاتب أنيقآ تفصله عن العمّال مسافة إداريّة واضحة. ينتقل بعد ذلك الذرة في صـف طويل للعمال و نفرغ نحن للهو و الجري في حطام الطّاحونة القديمة و التي كانت هائلة، أو هكذا تبدّت لنا، و كان القفز بين تروسها المتعطّلة منذ زمان بعيد متعة حقيقيّـة، لا سيما التخفّي داخل حوض تبريد ماكيناتها الفارغ من المياه، و الذي كانت تفضّـله سـعاد بت الناظر، كانت تكبرنا و تتميّز على بنات القرية بالشرائط و الضفائر و رائحة شعرها غير المألوف في القرية فضلآ عن أنّها ما كانت تخشى الضحـك بصوت عال و هذا يجعلها مختلفة.

(2)

تكرّر حضور العم مسـاعد لنا في مكان اللـعـب، ما كانت هذه عادته، و لحظت أنّـه بدا لطيفآ معنا جميعآ و صار يساعد بعضنا في رفع الصفيحة و وضعها على الكـتف، لكن هذا لم يحدث قبلآ بل كانت مهابته محفوظة. و أصبح من بعد أمرآ مألوفآ أن يناديه العمّال من مكان لعبنا ليهتم بأمر أحـد الزبائن و يعود عجلآ يرقب براءتنا و لا نفهم سرّ بقائه في مكان مهجور مع أطفال يلعبون بانتظار طحينهم.
دخلت سعاد يومذاك و هي ترتدي تنّورة قصيرة بلون داكن أبرز جمال بشرتها و امتلاء جسمها و استدارة ساقيها. تبسّـمت بوجهي قبل أن تضع (جردلها) الصغير في الميزان، كانت شفتاها محمرّتان بشكل طبيعي و أسنانها مفرّقـة و عطرها جاذب، رددت أنا على بسمتها بنظرة فاحصة حاولت جهدي أن ألبسـها رداء الحياء و لعنت بسـرّي تقاليد القرية التي لا تسمح بكلمة لطيفة بدا لي أنّها تستحثّني للنطـق بها، قالت لعم مساعد:
أمّـي قالت ليك لازم تدقّـق لينا ورا قمح
كانت تعني أن الطحين الذي يسبق قمحها لو كان ذرة سيؤثّـر على طعم قمحها
أجابها عم مساعد بدون تحفّظ:
لو أشتري ليك القمح من جيبي ما بزعّلك
ضحك أحد العمّال فرمقه العم مساعد بنظرة أسكتته
و راقبتها لأرى أثر حديثه عليها فإذا هي طفلة ساهية بين مراهق تعوزه الجرأة و عجوز ماكر صرعته البسمة و هي لا هـمّ لها سوى أن يسبق قمحها قمح آخر ليأتي طحينها نظيفآ!
و انتبهت في مكان اللعـب للعم مساعد يراقبنا، هذه المرّة ناداني و كنت جالسآ بالقرب من سعاد التي كانت تحكي عن المدرسـة و أنا أستمع لعطر شعرها قبل كلماتها
تعال يا ود الشـيخ و لاّ ود اللزينا انتا
أنا يا عم مساعد؟
أيوا إنتا في زول غيرك قاعد هنا هسّـع؟..دقيقك دة جاهز و بيتكم بعيد تعال خلاس أمش
لكن انا عاوزو يبرد يا عم مساعد و ...
خلاس خلاس امش اقعد
و بدا لي أنّه غير راض، لكنّي لم أفهم ممّ، و لم أتبيّن سـرّ اهتمامه المفاجيء ببعد منزلنا عن الطّاحونة و تنبّهت للعم مساعد ينظر لسعاد و هو يهرش ما بين فخذيه و يعضّ شفته السّفلى متحسّـرآ على ما لم أتبيّنه في تلك السّـن.

(3)

على غير العادة استحـممت نهارآ و بلا رجاءات من أمّـي أو وعـيد من أبي، و فتحت (ضلفة) الأولاد في دولاب كان يسع ملابس كل الأسرة في زمن لم يكتشف فيه الناس أهميّة السفر لبلاد يقايضون فيها أشياء جميلة كثيرة بملابس جديدة و أنماط إستهلاكيّة غريبة و مفردات دخيلة. كان الرف الثاني يحتوي على ملابسي و كتبي و صندوق توفير خشبي به قطع عملة معدنيّة تحدث رنينآ يجلب تعليقات الجميع و طمعهم، عبثت وسـط أشيائي و انتقيت بنطالآ أحضره لي خالي حين عاد من الدراسة بالخارج و ارتبط اسمه به و لمّا لم يكن معه قميص اخترت له (قميص العـيد) كأزهى الثياب لذلك اليوم و اكتملت الأناقة بعطر (كارينا) الذي استلفته من كبرى شقيقاتي بعد أن وعدتها بأن أشتري لها لبان (ماكس) في طريق عودتي من الطاحونة.
لم تلفتني تعليقات القرويين و لا فضولهم هذه المرّة، دخلت للطاحونة و تجوّلت ببصري بحثآ عن سعاد و اضطرّ عم مساعد لضرب الترابيزة بقلم الكوبيا ليلفتني لأخذ إيصالي، و لمحتها جالسة بأعلى الدرج الخشـبي القديم، تتزيّا بفستان أبيض يشفّ عمّا تحته بلا كثير عناء و كان ما تحته جدير بالإكتشـاف فأمعنت النظر بخبث لا يناسب مظهري البريء، جلسـت بجوار عطر شعرها الذي كان محرّرآ من كلّ شيء و تحيله إلتفاتة من على كتفها الأيمن ليقع كلّـه على الكتف الأيسـر و ضاع معظم حديثها معي و كثرت من جانبي رجاءات الإعادة بكلمة لا يمكن كتابتها هي مزيج من الأنين و البلاهة:هآآآآآ؟
و تقوم سعاد بتكرار الكلام و أعاود أنا السرحان في شميم عطر شعرها و أسألها بذات السّـذاجة أن تعيد الكلام حتّى دخلت زميلة صباها بت الشايقي و صاحت بها:
تعالي نلعب حجلة يا سـعاد
قامت سعاد و ما استأذنت جليسها، كما هي حال زماننا الطيّب ذاك، لكنّي ظللت أرقبها و هي تلعب الحجلة و تقفز بين الخطوط المرسومة ببقايا الفحم في بلاط الطاحونة القديمة. كان في اللعبة جزء يستدعي رفع حجر من الأرض و حين تنثني سعاد و تقوم يدخل أحد أجزاء سروالها وسـط عجيزتها فيشكّل شاغلآ لها و لي و للعم مساعد. تعاود لعب الحجلة و حين يأتي الدور لصاحبتها تجد هي بعض الوقت لإصلاح (فردة) السروال فتعمل يدها فيه مع تثنّي و إبراز للمنطقة الأكثر جمالآ في أنوثتها و أظن أنّ ذلك يصادف ثمّـة أكـلان غير آثم لدى الصـبيّـة فيستمرّ التثنّي و مدّ العجيزة للخلف و التعالي فوق أطراف الأمشاط و يتنبّـه العم مساعد للسيجارة تحرق إصبعيه فيرميها و يصيح:
الله يخربك آآ خرابة
و يطأ على بقايا السيجارة بحذائه المهتريء.
لم يتنبّـه العم مسـاعد لمتابعتي له، أو في الحقيقة لم ينتبه لأي شيء سوى قفزات سعاد بين مربّعات الحجلة و تلاعـب الرياح بشعرها الجميل، و كان لا بدّ من العودة بأناقتي المهيضـة و تغوّل بت الشايقي على حظ أنفي من عطر شعر سعاد. حملت الصفيحة و دلفت خارجآ و رأيت العم مساعد يضع إناء سعاد بجوار مقعده فتوقّفت حيث أنا و لم ينتبه لي هو. نادى سعاد فور خروجي بصوت آمر:
تعالي يا بت الناظر أشـيّـلـك ع شان تمشي بيتكم
ودّعـت سعاد صديقتها بلا تقبيل، فقد كان المسلسل وقتها أسبوعيّآ و محصور الأثر، و جاءت تبحث عن طحينها في الصف:
وينو جردلي يا...
قاطعها بصـبر نافـد:
ياهو دة عندي أنا جايبو ليك
و قام العم مساعد من مكانه و الشيء بين فخذيه منتفخآ بوضوح و هو يحاول إخفاءه بما يحمل، أتى سعاد من دبر ووضع الجردل في رأسها و لزق بمؤخّرتها فأجفلت و صاحت: عم مسـاعد؟ و تفلّـتت جارية و تدفّـق جزء من الدقيق في الأرض، حاول أن يناديها بقوله:
الدقيق حار يا بتي كان تختّي ليكي حاجة في راسـك
تعالي يا بت..يا بت شيلي دقيقك
جرت سعاد لبيتها في رعب و فزع، و ما هي إلاّ لحظات حتّى دخل معها أبوها بوجهه الصّـارم، و أخذ العم مسـاعد يشرح له مبرّراته و يشير لسـوء فهم ما و يتحدّث عن شيبه و تقوى الله، يساعده في الإفتراء أنّ الفزع قـد جعل الشيء بين فخذيه يتلاشى أو يكاد. جئت قريبآ من الناظر المخيف و قلت بصوت قصـدت أن أجعله خشـنآ:
يا (أستاز).. و الله عم مسـاعد دقّـر لي سعاد
رفع الناظر نظارته كمن آثر رؤيتي بلا معين:
قلت شـنو يا ودّ الشـيخ
و الله يا (أستاز) عم مساعد كان بيعاين لي سعاد طوّالي و جا يرفع ليها الدقيق قام ..قام اتلصّـق وراها شدييييييد..
و هنا هوت يد مدرّبة على العقاب البدني على خد العم مسـاعد فسقط هو و وقاره أرضآ و تجمّع النّاس، وسمعت الناظر ينطق بالفاحشـة لأوّل مرّة تمامآ مثل التي يقولها (الجارزمبة) صبي الميكانيكي السّـكّـير.

(4)

أضاف الوالد مشوار الطاحونة لمهامه الأخرى مع تحذير بعدم الذهاب هناك مطلقآ، و علمت من أمّـي أنّ أبي و الناظر قدّرا شجاعتي و كنت أطمع أن أسمع رأي غيرهما فذهبت لحي الموظفين لأوّل مرة، و ألفـيته لا يتميّز على سائر بيوت القرية بكثير لكنّ ساكنيه يتحدّثون عنه و عن أنفسهم بما يفيد أن هناك ثمّـة فارق. جاءني صبي يكبرني سنّآ و فاجأني بالسّـؤال:
عندك شنو في الحلّـة دي؟
و اتّضـح للصبية الذين تجمّعوا في لحظات أنّني وحيد في حيّـهم بلا سبب وجيه فضربوني بموجب العرف السائد وقتها بالحرب بين أولاد الأحياء المختلفة بذات البلدة، و علمت لاحقآ أنّ أولاد الموظّـفين أكثر تعرّضـآ للضرب، لذا فهم يتحيّنون فرصة عابر لدارهم ليشفوا فيه غليلهم. كنت مذنبآ بسعاد في حناياي فتقبّـلت الضرب من مجتمع يعاقب على ممارسـة الحب و قلت لأمّي إنني سقطـت في ملعب الكرة فتورّم وجهي.
صارت فترة ما بعد الظهيرة أشـدّ ملـلآ و عذابآ، فأنا لا أعرف أين أذهب لأرى سعاد بعد تلك المجازفة و نتائجها و لا أجد ميلآ للعـب مع أقراني و لا لكتبي و كنت أصغـر من معرفة سـرّ تلك الكآبة و الإنفعال بوجه أمّـي و أصدقائي الذين سمعت منهم في تلك الفترة كلمات خصام كثيرة تطرق أذني و كأنّها لا تعنيني. ناداني أبي ليخبرني بأنه تلقّى دعوة لحضور زواج الأستاذ صالح بالقرية المجاورة و أنّـه لا يريد أن تذهب شقيقاتي في السيرة لأنّـه ليس من أقربائنا و قال:
لكن ممكن تمشي انتا تجاملو و تكتب الجنيه دة بي إسمي في الكشـف
أعـدّت أمي أزياء خروجي بعناية، فزوجـة عمدة القرية تنافسها في لقب السيدة الأولى بوصفها زوجة الشيخ، و العمدة هو المشرف على زواج الأستاذ الغريب و ستخرج السـيرة من داره. كان بص السيرة في سابق تاريخه شاحنة نقل بائسة يسميها الفرنجة (لوري) أدخلت ورشات الحدادة عليه بعض التعديلات فصار له مدخل وحيد خلفي و كنبتان طويلتان تجعلان المسافرين في حالة اجتماع دائم بلا أجندة معلنة و أسموه بصّـآ. تزاحم الناس للركوب وسط الأغاني سريعة الإيقاع، و الزغاريد المجاملة تشي بأنّ العريس ليس له خالة صادقة الفرحة بين نسوة القرية، و فجأة التقط أنفي عطرآ مميزآ وسط زحام العطور السائدة المتشابهة و قبل أن يفترّ ثغري عن البسمة سمعت:
انت يا ود الشيخ ساير؟
التفت نحوها فأردفت:
أبوي قال لازم نجامل أستاذ صالح
عاودني أنيني الأبلـه و رجاء تكرار الكلام فاستمرّت سعاد تقول:
ابوي قال اتّـا ولـد جـدع
نظرت لها فأطـرقت بحياء و خفق قلبي بعنـف، شعرت لأوّل مرّة بعمري بشيء يتحرّك بين أفخاذي و تذكّـرت عم مساعد فزجرت مجهولآ بداخلي و بحثت عن كلمة مناسبة أقولها لها فلم أجد. دفعتنا جموع القرويين الى داخل البص فدخلنا و جلسنا متجاورين رغم حرص بنات القرية على الجلوس بعيدآ عن الرجال. كانت أوّل رحلة لا ألعن فيها الطريق غير الممهد، و كلما دارت إطارات السيارة أقطع ميلآ نحو رجولتي حتى انتصبت بنهاية الرحلة شابّـآ في مقتبل الضـياع.
رقصـت سعاد رقصـآ مختلفآ عن رقصة الحمامة المألوفة بالقرية، تقافزت و باعدت بين ساقيها، و هذا يكفي للـوأد عندنا، و كانت تصفّـق مع إيقاع الأغنية و تتبسّـم مما جعل بنات القرية يغبطنها و يـمـطـطـن شفاههن في استياء يصاحبه صوت ليس من حروف اللغات المعروفة بأيّ حال لكن السّـامع يستطيع تمييز دور اللعاب و الهواء في إصـداره. انتزعت سعاد إعجاب الرجال و صفّقوا لها و أطرقت في حياء و اختلسـت نظرة باتجاهي قبل أن تجلس.
و بنهاية الحفل ركبنا البص للعودة فجلست بجوارها قصدآ. تحادثنا و شعرت بها مختلفة هذه المرّة حيث لم تكلّمني عن هموم المدرسـة، قالت إن ست عفاف قـد عاتبتها على البنطلون في السيرة و هي لا تحفل لذلك لأنّ (ماما) قد اختارته لها و قالت إنّ الفنّان كان يغنّـي كلامآ جميـلآ و الموسيقى حلوة كما علمت منها أن بنطالي له إسـم و هو (كوردرويو) و قد كانت الملابس عندنا تلقّـب بمناسبات شرائها أو أسماء من أهدونا إيّـاها. في رحلة العودة فتح الله علي ببعض الكلمات و كثير من حسن الاستماع فلم أطالب بإعادة ما فاتني بعد أن تخطّـيت الدهشـة. قبل أن نصل لبيت العمدة، الذي تحرّكنا منه، أوقفنا السائق بجوار بيت الناظـر فقد رأى كل القرية أمام داره في صبيحة الجمعة و هو أمر غير مألوف.

(5)

انتشرت الوجوه المرهقة من السهر و الرحلة في جنبات بيت الناظر، كان بين الجائلين في الدار بضعة رجال بوجوه و أزياء غريبة، فالبنطال و القميص من قماش واحد و لون محايد، و هناك شيء أسود يتبدّى في منطقة الخصر عند كل انحناءة و لكني لم أستطع تمييزه. ارتدّت عيون القرويين الفضوليّـة حسيرة دون أن تدرك شيء
السيارات كثيرة و صغيرة و جديدة
الوجوه بصرامة الشرطة و أزياء موظفي البلديّة
و رفضوا شرب شاي العمدة
لا أحد يجرؤ على رفـض شاي العمدة
لكن لماذا يحادثهم العمدة بلا هياج، كعادته، و لماذا ينصرفون من أمامه قبل أن يتم كلامه؟
ما هي إلا لحظات حتّى انبعث أشقاهم يحمل كرتونة بها ورق يشبه أوراق امتحان الشهادة و كتب يعلوها غبار لكني مددت عنقي و قرأت عنوان أحدها (البقسماط الأسـود)..
جاء الناظر بعد لحظات أسيرآ غير مقيّـد و ركب حيث أشاروا له، و تسابقت السيارات الجديدة القويّة تنهب الطريق خارجة، و رأيت اثنين منهم يتعمّـدان القفز بعد أن تحرّكت السيارات و صفّـق لهم بعض الصبية فانتهرهم علي التمرجي بغضـب و قال كلامآ لشباب القرية لم أفهم منه كلمة واحدة لكني أذكر كلمة (الثورة)، و كان ينطق ثاءها صادآ، و (المعتقل) و جاء ذكر عم مساعد كاتب الطاحونة مصحوبآ بأقذع الشتائم حيث ذكر علي التمرجي أن أحد الغرباء زاره أول أمس و تهامس معه طويلآ و أنّ العم مساعد اشترى بالأمس نصيب حاج طـه في الطاحونة و أصبح فجأة من أثرياء القرية.
بدأت رحلة الذهاب للبيت بعد أن غلبني النّعاس فانطلقت بكسـل غير مبال لقميصي الذي لم يعد محشـوّآ داخل البنطال و حذائي الذي علاه الغبار و تجاوزت الأحداث وصـيّـة أمي بالحرص على العبوة الفاخرة، و قبل أن ابتعد عن بيت الناظر تعالى ضجيج بالبيت فرجعت مسرعآ و خائفآ، رأيت العمدة و قد استعاد هيبته و سطوته، فالسيطرة على الضعفاء أهم ملامح النسق الإداري عندنا، و قال:
الحيكومة دايرة بيتها هسّـع دي
و تكلّـم الكثيرون بلا صوت مسموع لكن لهجة الاحتجاج وصلت للعمدة الذي وصف نفسه بأنّه عبد المأمور، لم يعجبني الوصـف أبدآ لماذا يرضى الإنسـان أن يكون عبدآ لأي آمر أو مأمور، و بدا لي أن الذي يأمر العمدة لا بدّ أن يكون طويلآ و عريضـآ و له شارب ضخم و لم يخطر ببالي أبدآ غرباء الصباح المشـؤوم.
نشـط القرويون في جمع أشياء أسرة الناظر و رفعها في لوري العمدة الذي قال للجميع أنه سيسافر معهم لبيت جدّهم في السجّـانة، لماذا يأخذون الناظر للمعتقل و سعاد و أسرتها للسجّانة؟ و ما هو هذا البقسماط الذي أخطأ الناظر بقراءته؟ و كيف تكون قراءة الكتب خطيئة؟ و اقتناؤها جريرة؟ و لماذا يخاف أسياد العمدة من كتاب؟
لم تتوقف دماغي عن توليد الأسئلة العصـيّة كما لم يتوقّف القرويون عن شحن أشياء البيت المنكوب، و قهر العمدة مشاعر نساء الحي في إطار محاولاته لاسترداد سطوته فأعلن نهاية الوداع و أمر زوجة الناظر بالركوب في اللوري (بي قـدّام)، قالها ممتنّـآ و مباهيآ من يؤازرنها بصـدق و لا يملكن لواري.
بانت سـعاد
شاحبة الجمال، دامعة الخاطر
مشيت نحوها متسائلآ بغباء صادق: هـو.. فـي شـنو؟
جاء صوتها مأزومآ:
أبوي قال عم مساعـد حرّش عليهو النّـاس العفنين ديل..
يبقى بخاطر الصبيّـة البريئة اسمه عم مساعد و ان تجنّى على صباها بالسـفه و أبيها بالإعتقال، لكنّها أخلاقآ رضعها هؤلاء البسـطاء جيلآ بعد جيل فهل تحتاج هذه الشخصيّـة لاعادة صياغة بكل حرصها على التهذيب رغم الغضب و الظلم؟ هل يعرف عم مساعد أنّـه يهـتـك نسيجآ إجتماعيّـآ نضج آلاف السنين على نار هادئة و متسامحة و أنّـه خان ألف مبدأ ليكسب نصيبآ في طاحونة القرية و ينتقم لصفعة إستحقّـها بجدارة.
ركبت سعاد اللوري و لم أجرؤ على النظر في عينيها و لكنّي كنت أشعر بعيونها تخرق أمّ رأسي.
و تحرّك الغبار يلفّ كل شيء بعد خروج ركبها، و عاد نسوة الحي يثرثرن بجواري و يصل لأنفي عطر شعورهن الموحّـد كزيّ الرجال الأغراب الذين أتعسـوا صباح القرية، و تدحرجت مع قطيع أهلي نحو بيتنا و بخاطري آخر ما سمعته من سعاد:
أبوي قال عم مساعـد حرّش عليهو النّـاس العفنين ديل..
أبوي قال عم مساعـد حرّش عليهو النّـاس العفنين ديل..
أبوي قال عم مساعـد حرّش عليهو النّـاس العفنين ديل..
و لم ألتفت لخدر العوير و هو ينظف السائل من أنفه و يبتسـم بانتظار تعريفة، هي حافز تعوّد عليه لقاء مجهوده لتنظيف أنفه، فأحبط حين تجاوزته و ساء صباح المسكين خدر فيا لبؤس قرية لا تملك فرحآ لأحد و لا تحقق أحلامآ تسوى نصـف قرش. تسـمّـرت قدماي أمام الطّـاحـونة، و قد مررت بها دون وعي، و نظرت مكان عطر شعرها و بقايا خطوط الحجلة و خيال بت الشايقي و الحجر الموجب للتـثـنّـي و بكيت دون أن تطفر دموعي آآه ما أقسى هذا الألم المـمـض و لماذا لا تسـح هذه الدمعة فتريحني، و ما هو هذا الشيء الذي يضغط أضالعي بعنف و قسـوة، و فجأة رأيت عم مساعد ينزل الدرج القديم باتجاه مكتبه البائس، حدّجتـه بنظرة أفرغـت فيها كلّ احتقاري فردّ علي بابتسـامة هازئـة بدا لي فيها مباهيآ بنصره الخسيس فلم أطقها و سمعت بداخلي صوتها الباكي:
أبوي قال عم مساعـد حرّش عليهو النّـاس العفنين ديل..
و بلا شعور جريت باتجاهه و أخذت وحدة الموازين (الرطـل) و قذفتها بوجهه فتفاداها بالإنحناء الذي يجيده فارتطمت بجدار (الزنكي) و أحدثت مع هياج صوته المفزوع ضـجـيـجـآ تجمّـع الناس على إثـره فيما بقي العم مساعد قابعآ حيث هو يرتعد من الخوف،تقـدّم نحوي طالب الجامعة الذي يحترمه القرويّـون و أمسك بيدي فلم يعـنّـفـني أحـد و سمعت الماحي صاحب الكنتين يردّد في وجه عم مساعد نفس العبارات البذيئة التي قالها الناظر له يوم ضربه، و تصوّرت أن الناس المحترمين يستخدمون لغة صبي الميكانيكي السـكّـير (الجارزمبة) في وجه أمثال العم مساعد.
كان صوت الراديو في الكنتين عاليآ و سمعت الفنان و هو يغنّي:
ياااا مساخة الحـلّـة
يوم ناس آمـنة فاتوا
و القمرة غابت في عشيّـاتو
نحب ياتو
نريد ياتو
نحب النيل و شتلاتو
وياااا مساخة الحـلّـة
يوم ناس آمـنة فاتوا
ياااا مساخة الحـلّـة
يوم ناس آمـنة فاتوا

Share |
(   إطلاع: 2278   تعليق: 0)

 ألقى الإعلان التركي عن العثور على نسخة أصلية لإنجيل برنابا المثير للجدل بين علماء وأتباع الدينين السماويين الأكثر انتشارا في العالم الآن  .... المسيحية والإسلام ... حجرا في بركة النقاشات الدائرة حول صحة هذا الإنجيل؛ صحة ما ورد فيه من معلومات وصحة نسبته للحواري (التلميذ) برنابا . فالإنجيل المرفوض من قبل الأوساط الدينية المسيحية باعتباره محرفا وغير معترف به ومنحول يتفق مع الأناجيل الأربعة المعتمدة في كثير من التفاصيل التي روتها عن حياة السيد المسيح عليه السلام ولكنه يختلف عنها جذريا في التأكيد على بشرية المسيح وعلى أنه لم يصلب وعلى أنه عليه السلام ظل يبشر اتباعه مرارا وتكرارا بمجيء نبي خاتم بعده اسمه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم !


هذه هي الأشياء التي جعلت المسلمين يهتمون بهذا الإنجيل باعتباره شهادة من داخل المسيحية على ما جاء به الإسلام ولكن هناك نقطة تخدش هذا التطابق فقد وافق انجيل برنابا الأناجيل الأربعة المعتمدة لدى المسيحين في عدم الإشارة لحديث عيسى بن مريم عليه السلام في المهد وهو الأمر الذي ركزت عليه الرواية الإسلامية كمعجزة إلهية جاءت لتبرئة السيدة العذراء عليها السلام


والسؤال الآن ... ما هي الدلالات الجديدة التي من الممكن أن تضيفها النسخة التركية ؟ هل هي - فقط - برهان أن هذه النسخة كتبت قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وبالتالي نقض الحجة القائلة بانتحال وتزوير المسلمين له من أساسها ؟  أم أن هناك اختلافات بين نص هذه النسخة الأقدم والنسخ التي سبق العثور عليها تلقي مزيدا من الظلال أو الأضواء على حياة السيد المسيح عليه السلام كما رواها برنابا ؟؟


موقع كتابك الإخباري يقدم لقرائه الكرام روابط لتحميل نص  الترجمة العربية للإنجيل المذكور ودراستين مسيحيتين تنتقدان هذا النص وذلك على الرابط التالي


 


نصوص ودراسات حول إنجيل برنابا

.
Share |
(   إطلاع: 2138   تعليق: 1)

التعليقات
2012-04-09 17:45:37،بواسطة:Saud alanazi
تستطيع ان تقرا في اعمال الرسل (كاتبه بولس و لوقا على المعتقد (علاقة برنابا و بولس وأنها انتهت بخلاف شديد بسبب تافه مشبوه لا لقاء بعده كيف يحدث هذا بين قديسين تجري المعجزات على ايديهم يبدأ الكتاب بسرد الاحداث التأليه لحياة المسيح حتى ينتهي لبولس ورسائله ويبدأ يحلل و يحرم وهو من لم يعش مع المسيح او حتى رآه حتى يختفي ذكر الحواريين الكبار او يتلاشى وفجأة يصبح بولس بعالم الأسرار الربانيه وتحس انه حدث انقلاب داخلي لدين المسيح بعد وهذه المقدم لأجل انجيل برنابا اول من ذكر كتاب باسم انجيل برنابا المؤرخين المسيحيين الأوائل وانه من الكتب الم حرمه الهرطوقية
القيادي الإسلامي السوداني حسن مكي لـ”الشبيبة”:

تغيير محتمل في حكومة البشير

لست راضياً عن تجربة “الإنقاذ” لأنها وقعت في أخطاء قاتلة

وإسلاميو الربيع العربي يخشون آثار “السم” المدسوس للسودان

أبدى الأكاديمي الإسلامي مدير جامعة إفريقيا السودانية بروفيسور حسن مكي عدم رضاه عن تجربة “حكم الإنقاذ” وأقر بوجود “أخطاء حكم قاتلة” تمثلت في سيطرة من أطلق عليهم “السداحون المداحون” على السلطة، وإبعاد أصحاب الفكر والقدرات وتغييب روح النقد واستشراء الفساد.

وقال إن مذكرات الإسلاميين الإصلاحية تعكس “إنسداداً” في العلاقة بين هياكل السلطة، وضيق هامش الحريات، وتوجيه الحكومة “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” للشارع، واستثناء نفسها ورجالها منه.

(حاوره من الخرطوم – أحمد يونس)

* ابتعد الإسلاميون الذي وصلوا السلطة عبر ثورات الربيع العربي قدر الإمكان عن “تجربة الإنقاذ السودانية”، كأنها “جمل أجرب”، في تقديرك لماذا..؟

ـ هذا استنتاج غير دقيق، الإسلاميون في العالم يقدرون الحركة الإسلامية السودانية، لأنها أسهمت في تأسيس “الحركة الإسلامية العالمية”، ويلقى د. حسن الترابي إحتراماً كبيراً بسبب “قدراته وأستاذيته”، بعضهم لا يوافقونه على موقفه من “الإنقاذ”، وبعضهم يوافقونه.

وأسهم إسلاميون سودانيون في تأسيس الحركة الإسلامية العالمية، إذ يعد “التجاني أبوجديري” أباً روحياً للحركة الإسلامية في أمريكا الشمالية، وسار على دربه “أحمد عثمان المكي” الذي أسس الحركة الإسلامية في أوروبا.

ولعب سودانيون دوراً كبيراً في تأسيس “الإتحاد الإسلامي للمنظمات الطلابية”، وأسهم “الفاتح على حسنين” بدور كبير في تأسيس “الحركة الإسلامية التركية”، لدرجة أن الرئيس “أوردغان” في زيارته للسودان تناول وزوجته وجبة الغداء في منزله، عرفاناً لدوره.

أما من يتنافسون على رئاسة مصر: “أبو الفتوح، محمد سليم العوا”، فهم أصدقاء السودان، استفادوا من تجربته، وكلاهما كان على تواصل مع التجربة اتفاقاً واختلافاً..!

* أنا لا أعني بسؤالي العلاقة التاريخية مع الحركة الإسلامية السودانية، بل موقف الإسلاميين المعلن من تجربة “الإنقاذ”، لم يتحدثوا عن الإقتداء بها، أو الإستفادة منها؟

ـ رغم حديثه عن تجربة السودان فقد كان “راشد الغنوشي” يتنقل بجواز سفر سوداني، أما “وضاح خنفر” في فضائية “الجزيرة” التي حركت الأحداث فهو إبن التجربة السودانية، وبدأ “الهاشمي الحامدي” صاحب فضائية “المستقلة”، من السودان الذي قدم أول دعم لإقامه فضائيته.

تأثير الحركة الإسلامية السودانية كبير جداً، لكن هل تلقى تجربتها السياسية رضا الإسلاميين السودانيين أنفسهم الآن..؟ هذا موضوع نختلف عليه أو نتفق. تقييم تجربة السودان موضوع مختلف، “الترابي” نفسه يعطيها “صفراً كبيراً”.

* حكمت زهاء ربع قرن وتزعم أنها إسلامية..

ـ هي لا تزعم بل مدموغة بالإسلام..

* كيف لمن ولدوا من رحمها ـ كما قلت ـ ألاّ يشيروا في خططهم وبرامجهم الإنتخابية إليها..؟

ـ يخافون من العدوان والحصار الذي يواجه التجربة، فرئيس البلاد مطلوب من محكمة الجنايات الدولية، ومعه خمسين يواجهون اتهامات من نفس المحكمة. لقد “سُمم” عقل العالم ضد الحركة الإسلامية السودانية، ووجهت لها إتهامات بمحاولة تفجير “مركز التجارة الدولي” بالتعاون مع الشيخ “أحمد عبدالرحمن” قبيل عملية بن لادن والقاعدة. فماذا سيفعلون والعقل العالمي كله مسمم بأن هؤلاء “قتلة وسفاكي دماء”..؟

ارتكبت الحركة الإسلامية أخطاء نعم، وأذكر أن “الترابي ومحمد سليم العوا” قابلوا رئيس الجزائر قبيل فوز “عباس مدني” فسألوهم عن إعدام “ضباط رمضان” في محاكمة الستة ساعات، وعن محاكمة تاجر العملة “مجدي” وإعدامه، وقالوا لهم “ألا تخشون الله”. نعم وقعت الحركة الإسلامية في أخطاء كبيرة، أخطاء قاتلة، ضخمتها “الصليبية العالمية، والموساد وإسرائيل”، ما جعل الحركات الإسلامية الناشئة تخشى من هذا المحمول.

بل أن الإسلاميين المصريين قالوا إنهم لن يلغوا “كامب ديفيد”، لأنهم لا يرغبون في حمل أعباء إضافية في هذه المرحلة، هم حصلوا على تسهيلات دبلوماسية من السودان ساعة شدتهم ، أما الليبيون فقد تسلحوا بـ”السلاح السوداني”.

* ألا ترى أن ممارستهم السلطوية زادت كمية “السم المدسوس” ـ كما سميته ـ ما أثر على قبولهم..؟

ـ هناك أخطاء تم تضخيمها، ورغم إني لست عضواً في المؤتمر الوطني، لكن موقفي لا يحجب عني الإيجابيات. لم يكن هناك “سودان جغرافي” قبل حكم الإنقاذ، ولم تكن أطراف البلاد مرتبطة ببعضها البعض، الآن هناك شبكة طرق وشبكات اتصالات قربت المسافات..

* يعزى هذا للفترة الطويلة التي حكمت فيها الإنقاذ، وإلى ثورة الإتصالات العالمية؟

ـ قارن بين “تشاد، إثيوبيا، السودان”، يمكنك إستقلال سيارة من الخرطوم إلى القاهرة عبر طريق شريان الشمال الذي وصل “قسطلة” المصرية، وشارع القلابات وصل “أديس أبابا”، هذه الأشياء أسهمت في صناعة السودان الجغرافي..

* لم يبق نظام حكم في السودان لفترة مماثلة للإنقاذ (23) سنة؟

ـ اذهب إلى أرتريا مثلاً ـ عمر ثورتها قريب من الإنقاذ ـ أين الطرق فيها، أين المستشفيات، أين المدارس وغيرها، أنا لا أمجد، لكني إعترف بالحقائق الموضوعية. هذا ليس إنجاز الحركة الإسلامية وحدها، فالسودانيون لهم إسهاماتهم الكبيرة فيه.

ذكر مركز “كارتر” أنه لم ير مظاهر “الأزمة الإقتصادية”، بل “حركة بناء” وأعداد كبيرة من السيارات الفارهة تزحم الطرقات، رغم أزمة العقارات العالمية وذهاب بترول الجنوب. هناك “شئ ما” ربما الانقاذ نفسها لا تفهمه: وهو أن “المكون الإقتصادي” لطبقة كبيرة تجاوز حكومة السودان، ولن يتأثر إذا سقطت الحكومة أم بقيت، وهو”هجرة وإغتراب” زهاء مليون سوداني، إذا كان الواحد منهم يعيل عشرة أشخاص، هذا يعني أن (10) مليون أصبحوا خارج تأثير اقتصاد الدولة، هو مكون السودانيين العاملين في الخارج الذين أصبحوا جزءً من الدورة الإقتصادية العالمية.

* ينظر الكثيرون إلى هجرة العقول السودانية إلى الخارج باعتبارها “منقصة”، وليست إضافة؟

ـ ليست منقصة، لأن العالم كله في حالة حراك، “إنها العولمة”، وأن مواطنيك مؤهلين للمنافسة في الدورة العالمية، أما “المنقصة الحقيقية” فهي إننا نأتي حتى بـ”العمال” من الصين.

* هل أنت راض عن أداء حكومة الإسلاميين وممارستها السلطوية..؟

ـ لست راضياً، كان يجب أن يكون الوضع أفضل بكثير، الحركة الإصلاحية إذا لم تكن “شاملة وكاملة” لذا عانت الإنشقاقات، والحركة الإسلامية ليست بحاجة إلى إنشقاق جديد.

هناك جناح “الترابي”، الحركة الإسلامية المؤيدة للدولة جناح “علي عثمان”، مجموعات السلفيين، التنظيم الدولي للأخوان المسلمين “الحبر يوسف نور الدائم”، لسنا بحاجة لأية قفزة في الظلام.

يجب أن تكون موصولة بحركة النقد والنقد الذاتي، لأن “المدافعة” مهمة جداً، ودون النقد وتوجيه “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” إلى داخل الحركة الإسلامية وتطبيقه عليها، وعلى الحكومة وعلى رجالاتها، لن يحدث إصلاح.

عمري داخل الحركة (45) سنة، وغير موجود في أي من مؤسساتها أو مؤسسات حزبها “المؤتمر الوطني”، لعدم رضائي عن بعض الأشياء، وعن طرائق عمل بعض الشخصيات.

هناك شخصيات لن تتكرر في الحركة الإسلامية، “الترابي” لن يتكرر بكل ما له وعليه، علي عثمان لن يتكرر لأنه مسؤول “الدعم الإجتماعي” عن كل قضايا الأخوان.

قطع “الترابي وعلي عثمان والبشير” مرحلة، ومهما كان حجم عطائهم فيها حتماً ستتجاوزهم، لأن السلطة لا تدوم، بعضهم استنفذ فرصته..

* تقصد بعضهم أم كلهم..؟

ـ بعضهم أو كلهم، لكني لا أتصور بديلاً يستطيع تجاوز البناء الإسلامي الموجود، وأكبر مشاكل المعارضة في “تحالف كاودا” أو غيره، أنها ليست ضد النظام السياسي، بل ضد المكون الثقافي السوداني “الثقافة العربية الإسلامية”.

* ألا يعد هذا مجرد دعاية مضادة، لأنهم لم يقولوا إنهم ضد الثقافة العربية الإسلامية..؟

ـ غيروا المناهج في جبال النوبة إلى المنهج “الكيني”، وارتد جنوب السودان عن الثقافة العربية الإسلامية، هذه حقائق وليست دعاية.

لماذا تحتضنهم الكنيسة العالمية، ولماذا أول زيارة خارجية لـ “سلفاكير” لإسرائيل، لماذا كل العمالة في الجنوب كينية وإثيوبية، ولا تخفي علاقتها بـ”إسرائيل”.

* إنها أخطاء الشمال..؟

ـ ليس بسبب أخطاء الشمال، بل بسبب توجهاتهم..

* أغلق الحدود ومنع التجارة..؟

ـ هذا توجه قديم لا علاقة له بقفل الحدود، إقرأ مذكرات “جوزيف لاقو” 1965م، إنه تنفيذ لسياسة شد الأطراف الإسرائيلية.

* انتقدت تجربة الإنقاذ، اتقصد المنهج، أم الممارسة، أم السياسات..؟

ـ أخطاء الممارسة كبيرة، وكان شيطان السلطة كبيراً، ما جعل بعض مكونات السلطة تعزل “أصحاب القدرات والإجتهادات”، فتحولت الحركة الإسلامية إلى “إنضباط أوامر وطاعة وتنفيذ”، وأخطأ أهل الطاعة ما أخطأوا، وقدموا الكثير من التنازلات.

ثم جاء “السداحون المداحون”، وصار الناس لا يسمعون صوت الناقد، بل صوت “السداح المداح”..

* ألا يدل هذا على خلل في طريقة التفكير نفسها..؟

ـ هو شيطان كبير غيب سيادة قانون وفصل سلطات، طبقنا “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” على الشارع، ولم نطبقه على أنفسنا، فيما أسكرت السلطة البعض.

* يرى البعض أن فكر الحركة الإسلامية فشل في فهم التنوع الثقافي والإجتماعي، وفرض مفاهيمه بقوة الدولة..؟

ـ لا يمكن قولبة قبائل “الأودوك والأنواك” في قوالب الثقافة العربية الإسلامية، ولا يمكن تطبيق الشريعة الإسلامية على “الدينكاوي” الذي تبيح له ثقافته بزواج زوجات أبيه، هذه ثقافات يجب احترامها.

هناك انفتاح، وهناك من هو ضده وضد الحريات وضد ثقافة النقد في الحركة الإسلامية، هذا “الضد” تحول لعبء ثقيل على المرحلة وعلى التجربة، وستتجاوزه الأوضاع.

* “مذكرات الإسلاميين” المتداولة تفسر الأزمة التي تعيشها حكومتهم..؟

ـ تدل على إنسداد القنوات، لجوء مجموعات يعتمد عليها النظام إلى كتابة “مذكرات”، يعني أن هناك “إنسداداً”، وتدل أيضاً أن الحركة الإسلامية “موجودة” وفيها من نذر نفسه لـ”الأمر بالمعروف والحسبة”، ولم تلهه المناصب.

التغيير في “المؤتمر الوطني” الأيام الفائته انعكاس للمذكرات، هو غير كافٍ لكنه بداية لـ”تغيير كبير يحدث في السودان قبل أن تنطوي أيام السنة الجارية”، أكاد أراه رؤية عين..!

* يزعم محللون أن الصراع داخل الإنقاذ بلغ مرحلة “كسر العظم”، ماذا تقول..؟

ـ لا أرى صراعاً بهذا المعنى، هناك مجموعة “سداحين ومداحين” أوشك أمرها على النهاية، ولا أظن أن أية تغيير سياسي يستطيع تجاوز العسكرية السودانية لأن القوات المسلحة قدمت دماء كثيرة للحفاظ على النظام، ولا يمكن تجاوز آلاف الشباب الذين حملوا السلاح دفاعاً عن الإنقاذ، لا تستطيع مجموعات “السداحين المداحين” تجاوزهم،لأن هناك وعي كبير جداً وسط الإسلاميين.

* ما هو شكل التغيير الذي تنبأت به..؟

ـ أنا متفائل بحدوث تغيير “تدريجي سلمي وفاقي”، يعالج المآخذ ويكمل النواقص، ليس بين الإسلاميين وحدهم، بل وفاقاً وطنياً تشارك فيه كل المكونات الوطنية، وأذهب أبعد لأقول أن الجنوب نفسه سيعود إلى الوحدة. ومن الناحية الإستراتيجية السودان باق وسيكون أقوى، وسيتعافى تدريجياً، ورغم أن الإرادة السياسية “شاخت” لكنها ستتجدد..

* هل اطلعت شخصياً على “المذكرات الإصلاحية” المتداولة..؟

ـ قد لا تصدق إنني لم أقرأ المذكرة التي أقامت الدنيا ولم تقعدها، لا حاجة لي لقراءتها، أعرف المشاكل، بل ربما تكون المذكرات “مستلهمة” مما كتبته، وما كتبه غيري، لست بحاجة لقراءتها لأني أرى الأمور بالعين.

* يتردد أن هناك نيه لتأسيس حزب إسلامي جديد..؟

ـ كانت هذه الفكرة مطروحة، ثم اتضح ألاّ حاجة إلى حزب جديد، كان هنالك كلام عن “شطب الدولة” وإنشاء حركة إسلامية، لكنه لم يلق رواجاً، والأرجح أنهم سيذهبون باتجاه التصحيح. بعد مرور (22) سنة يجب تجديد القيادات وفتح قنوات التتابع الدوري للقيادات، لأن الناس “شبعوا” من رؤية فريق واحد، ولابد من تجديده.

* هل هنا رغبة وقدرة على مواجهة غول الفساد..؟

ـ لقد أصبح فساداً “بنيوياً”، فساد مرضى مستشري، يضاف إليه فساد بسبب ضعف المرتبات، وفساد المحسوبية، ومكافحته لا تتم إلاّ بتقوية الجهاز الرقابي والجهاز القضائي والصحافة الحرة. لأن أي تدخل سياسي بين الصحافة الحرة والقضاء المستقل سيؤدي إلى إعاقة الدورة العدلية.

* يقال إنه مرتبط بـ”رؤوس كبيرة” هل ستحتمل السلطة التضحية بهم..؟

ـ أين هو رئيس إسرائيل الآن، يواجه الرئيس الإيطالي برلسكوني القضاء، يجب أن تكون التجربة الإسلامية أشد تجذراً وعمقاً..

* هل سيحتملون الخضوع للقضاء..؟

ـ يجب أن تكون هذه الآليات قوية لتطال جذور الفساد، يحتملوا أو لا يحتلموا مسؤوليتهم الشخصية..

* الفساد مرتبط بفكرة “التمكين”، التي انتبه لها الرئيس بعد(23) سنة وقرر إلغائها دون معالجة آثارها..؟

ـ المشكلة تكمن في تداول السلطة وليس في التمكين، أي نظام “يمكن رجاله”، حتى في الأنظمة الديموقراطية.

* لم يقتصر استخدام مفردة “التمكين” على الإتيان بمؤيدي الحزب للسلطة، بل كانت إحتكاراً لكل شئ للحزب..؟

ـ التمكين مصطلح قرآني، أما إذا كان “الممكنون” يحولون المشروع إلى مشروع “استفسادي” أو “شخصي”، فهذا هو المرفوض..

* هل تستطيع سلطة الإنقاذ احتمال الآخر المعارض..؟

ـ الحرية لا تعطى بل تنتزع، على الآخر أن يكون قوياً لحماية نفسه وقادراً على العطاء الإيجابي، حين وصلت الحركة الإسلامية السلطة كانت قد أنشأت منظمات خيرية كبيرة، بنت المدارس، البنوك، أنظر إلى حركات دارفور المسلحة، خربت ودمرت ولم تقم مؤسسات أو مدارس أو منظمات وحولت الشعب إلى نازحين ولاجئين ومازالت تحرق..

* ألا ترى أن هذا حكما ظالماً ومنحازاً..؟

ـ هذا غير ظالم وغير منحاز..!

* حين تقارن بين حركة متمردة ودولة..؟

ـ لا أقارن بين حركة ودولة بل بين حركة وحركة..

* الحركة الإسلامية حين جاءت للسلطة استخدمت السلاح..؟

ـ استخدمت السلاح في وجود مؤسساتها، وحين شاركت في حركة (1976م) كانت لديها مؤسسات قائمة وموجودة وفاعلة، وحين دخلت الإنتخابات كان لديها عشرات الآلاف يعملون في المنظمات الإسلامية “منظمة الدعوة الإسلامية، الهيئة الإسلامية للإغاثة، المدارس، المستوصفات، وغيرها”، وتنظيمات مثل “شباب البناء، رائدات النهضة” وكثير..

* لكنها حين لجأت للتغيير باستخدام السلاح في عام 1976م وصفت بنفس الأوصاف التي وصفت بها حركات دارفور الآن..؟

ـ لقد أثبت التاريخ أن السلاح واحد من معطيات السياسة، وبدون قوة تتحول السياسة لمجرد عمل خيري.

* لدى الحركات مطالب مشروعة..؟

ـ أثبتت التجربة أن مطالب حركات دارفور عبارة عن “وظائف”، نالوا وظائفهم وتركوهم، ولا أحد من رجال الحركات الذين حصلوا على وظائف اهتم لأمرهم.

* هذا دور الدولة تجاه مواطنيها..؟

ـ لم تصل ثمرة الحوار مع حركات دارفور إلى الناس بعد، وأرجو بمجئ مجموعة “إتفاقية الدوحة” أن تتنزل المطالب لأرض الواقع.

* انفصال الجنوب أكبر الخطايا التي ارتكبتها الحركة الإسلامية ولم تحصل على سلام..؟

ـ الجنوب لم يكن جزء فعلياً من السودان، كان جزءً منه على الخريطة، عملياً لا يمكنك الخروج من جوبا أيام “جون قرنق” إلى الريف، والآن هل يستطيع سلفاكير الذهاب إلى مناطق قبيلة “المورلي”..؟

* أنا لا أتحدث عن عدم الإستقرار في الجنوب، أنا أعني مسؤولية الإنفصال السياسية والأخلاقية..؟

ـ لقد ظل الجنوب منذ 1955م خارج السودان نتيجة للحرب الأهلية التي راح ضحيتها (2) مليون شخص، ووجود الحكومة في الجنوب كان مجرد وجود جيوش في مدن “جوبا، واو، ملكال”. لم يكن هنالك حضوراً لوطن..!

* وأتت الحركة الإسلامية لإراحتنا منه بـ”بتره”..؟

ـ لم تبتره الحركة الإسلامية، بتره الجنوبيون أنفسهم باستفتاء نسبته (99%)، كلهم صوتوا له حتى من كانوا في الحركة الإسلامية “عبدالله دينق نيال”.

* لكنا خسرنا الجنوب، ولم نكسب السلام.؟

ـ لابد من مراجعات، يجب إعطاء الجنوبيين الفرصة لحكم أنفسهم، وهذا ما نصت عليه “اتفاقية نيفاشا”، صحيح أن ما فعلته حكومة الإنقاذ لجعل الوحدة جاذبة أقل من المطلوب، لكنها لو فعلت كل المطلوب ونال الجنوب مرادهم بنسبة (60%) هذا انفصال غض النظر عن النسبة.

أنا أدعو إلى الجنسية المزدوجة وفتح الحدود والتجارة، وقناعتي أن الجنوب سيعود للشمال، وأعتقد بخطأ من يرون أن الله “أراحنا منهم”.

* والحرب التي تدور فيما يمكن تسميته بالجنوب الجديد..؟

ـ تجب مراجعتها، وأظن أن الحكومة بدأت تتراجع، فقد قبلت فتح ممرات الإغاثة، وهناك عاصمتان في جنوب كردفان فهناك “كاودا، كادوقلي”، وهذا اعتراف ضمني، وبالتالي يجب حصول حوار ونقاش.

Share |
(   إطلاع: 2234   تعليق: 0)
مقدمة بقلم أيمن محمود محمد
(عن الموقع الالكتروني لصحيفة ألوان )
كحال سائر كل الأحياء السودانية هناك شخصيات تظل مترسبة في أذهان الكثيرين، نظراً لتفردها وخروجها عن المألوف كل في مجال إبداعه وابتداعه بتصرفات أضحت حكراً فالتصقت بهم وإن غابوا عن دنيانا، فنجد ظريف الحي الفكاهي الذي يوصف بأنه ابن نكتة.. كما هناك من تفنن في المغامرات في منطقته والمناطق المجاورة والتي جرّت عليه الجرائر، فصار يشار له بالبنان بشأن جلب المتاعب، وغيرهم من العباقرة من تطبّعت ذكراهم عند الآخرين بحسب تصنيفاتهم رياضية فنية كانت أم أدبية. من ألبوم يحوي ذكريات موغلة في التخصص بتنفيذ المهام، إ ستدعت منه صوراً ذهنية لشخصية كانت لها صولات وجولات، وفي خضم تصفح الآخرين لصور منها، تظهر لهم مألات الأحداث التي صنعتها تلك الشخصيه إيجابية كانت أم سلبية. مثل هكذا كان الواثق صباح الخير الذي تفرّد في حياته كما هو الحال عند مماته، عندما تم إعدامه وصلبه في أول سابقة من نوعها في تاريخ السودان الحديث.
من هو الواثق صباح الخير؟!
الواثق صباح الخير شبّ وترعرع بضاحية الشعبية بالعاصمة الثالثة (الخرطوم بحري) على أيام العهد المايوي، عندما كان الرئيس الأسبق نميري في سدة الحكم، اتّسم الواثق وتفرّد على أقرانه مِن مَن عاصروه في تلك الحقبة الزمنية من أبناء منطقته ومعارفه بصفات أقل ما يمكن أن نصفه بها أنه كان ودوداً ومحباً للمساعدة، متفاعلاً في المجتمع المحيط حوله في فعاليات الأفراح والأتراح بشهادة كل من يعرف الواثق.
لم يلقَ حظه في التعليم وسريعاً ما إتّجه الى كسب رزقه بالعمل الحر.. عمل مراسلة في مصلحة الوابورات وهي نفس المؤسسة التي كان يعمل بها والده، لم يستمر ويعمر في هذه الوظيفة طويلاً إذ سرعان ما تركها، إنضم للعمل في احدى المؤسسات العسكرية.. أيضاً لم يدم ذلك طويلاً، فقد أُصدر قراراً بفصله من العمل إثر خلاف نشب مع أحد المسئولين الأقدم منه، بعدها تنقّل في عدة أعمال، غير إن جلها لم يكتب لها الإستمرارية.
مضت به الأيام، وعندما شارف على العقد الثاني من ربيع عمره تمحورت شخصيته بسلوكيات وتصرفات لم يعهدها فيه أقرب المحيطين حوله بعادة غريبة كان يقفز ليلاً بيوت الأغنياء ويسرق ما تيسّر له وبحلول الصباح يكون قد وزّعها على الفقراء في حي الشعبية وخارجها.
وسع نشاطه وإتّجه بعدها خارج الشعبية في كل من الخرطوم وأمدرمان وضواحيها، بعد عامين فقط اشتهر في كل أنحاء السودان ــ الرجل الذي يسرق الأغنياء والحكومة ليوزعها على المحتاجين.
شهرة الواثق قادت الى القبض عليه عدة مرات، ثم قادته فيما بعد الى محاكمة مشهورة وسريعة انتهت باعدامه في نفس اليوم الذي أعدم فيه محمود محمد طه الجمهوري، ليضيع خبر إعدامه في معمعمة إعدام محمود طه زعيم الجمهوريين المشهور.. السؤال، هل كان لصاً كـ(روبن هود).. أم قاطع طرق.. علماً بأن خصاله تبتعد عن اللصوص التقليديين الذين يسرقون عشوائياً؟.
الواثق وجد فراغاً إجتماعياً ملأه على طريقته الخاصة.. ونميري طوى صفحته سريعاً، وحياته كانت قصيرة، فقد أُعدم ظلماً وهو في الـ(22) من عمره.
ما بين ميلاده في بداية ستينيات القرن الماضي وإعدامه وصلبه في نهاية عام 1984م إلا أن ما اكتنف حياته من غموض وحكاوي تكاد تقارب الأساطير يجعل التنقيب في حياة (المشنوق المصلوب) الواثق صباح الخير والتي لم تجد نصيبها من التوثيق.. رغم أنه ملأ الدنيا وشغل الناس حيناً من الدهر.
إرسين لوبين السودان
كان الواثق صباح الخير في نظر البعض حينذاك، شبيهاً بزيوس (إله العدالة و الرحمة و نصير الضعفاء) لدى قدماء الإغريق أو أرسين لوبين اللص الظريف، تلك الشخصية التي ابتكرها الكاتب الفرنسي (موريس لوبلان) إذ لاقت روايات أرسين لوبين إقبالاً كبيرًا.
يتميز أرسين لوبين بالنبل والشرف والشهامة، فهو لا يهدف من وراء مغامراته إلى الثراء أو كسب المال والانتقام من خصومه إنما يكرس حياته للكشف عن الجريمة وتعقب الجناة وتقديمهم للعدالة، وقد تحدى أرسين لوبين أبرز رجال الشرطة والمفتشين في عصره في فرنسا وإنجلترا والولايات المتحدة حتى أطلق عليه لقب الرجل ذو الألف وجه، وقد حوّل عدداً من رواياته إلى أفلام سينمائية ومسلسلات كرتونية للأطفال.. كما ترجمت إلى عدة لغات، وكان أول من بدأ بنقلها إلى العربية مكتب (عمر أبو النصر) ببيروت، ثم بعد ذلك دار ميوزك التي تصدرها حاليًا وتوزع في معظم الدول العربية.
يظهر اللص الظريف أرسين لوبين، أنه الشخص الذي يناسب مثل هذا العالم المليء بالأحداث المشبوهة انه دائما يظهر عند اللزوم، ووجوده يبدو أمراً وجوبياً مثلما حدث في الرواية الأولي التي نشرت عام 1907م وظهر فيها لوبين لأول مرة تحت عنوان (ارسين لوبين اللص الظريف)، ثم توالت هذه الأعمال مثل (الابرة المثقوبة) عام 1909م، ومن بين الأعمال الشهيرة لهذه الشخصية أيضاً (المثلث الذهبي) عام 1918م و(جزيرة ذات ثلاثين مقبرة) عام 1922م و(المفاتيح الغامضة) عام 1920م.
أيضاً شبهه ظرفاء ومعارف الواثق بما تعكسه قصص روبن هود، حيث الأفكار والعادات والتقاليد التي كانت سائدة في القرون الوسطى.. كان المجتمع (الإنجليزي) آنذاك يضم فئة قليلة من الأسياد الأثرياء وفئة كبيرة من الفقراء. وثمة فئة الخارجين على القانون. وكل فئة من هذه الفئات لها قيم وعادات خاصة بها. كان روبن هود رجلاً خارجاً عن القانون، كان يعيش مع أنصاره في (غابات شيروود الملكية)، واشتهر بشجاعته وفروسيته وبإسراعه إلى مساعدة المحتاجين ومناصرة المظلومين عندما يكونون في حال خصام مع الأسياد الذين يستخدمون السلطة بطريقة غير عادلة ولا شرعية.
وهي تمثل فارساً شجاعاً، مهذباً، طائشاً وخارجاً عن القانون، عاش في (العصور الوسطى) وكان يتمتع ببراعة مذهلة في رشق السهام. تمثل أسطورة روبن هود في العصر الحديث شخصاً قام على سلب وسرقة الأغنياء لأجل إطعام الفقراء، بالإضافه لذلك حارب روبن هود الظلم والطغيان. كان يعمل هو ومجموعته القوية المسمية (المبتهجون) .
الواثق.. برنس كورة وسباح وماهر
كان الواثق صباح الخير كما هو حال رفقاء دربه شديد الذكاء والحنكة، أما البديهية فهي حاضرة في كل تفاصيل مخططاته التي نفّذها. بجانب إتقانه لمعظم ضروب الرياضة من كرة القدم التي كان متفرداً فيها إبان صباه، الى إيجاده السباحة التي اعتمد عليها بفراره من قبضة الشرطة بعد أن ألقى نفسه في النيل مع بقية زملائه عقب مطاردة مثيرة بشأن سرقتهم ونهبهم لحقيبة ممتلئة بالأموال تخص أحد رجال الأعمال، جاء ذلك بعد أن شك في أمرهم رجال القوات النظامية وأمروهم بالتوقف ولكنهم رفضوا ذلك، وعندها تمت المطاردة الى أن تقطعت بهم سبل الفرار فما كان منهم إلا وأن ألقوا بأنفسهم في النيل وسط حيرة أفراد الشرطة.. وكان المرحوم الواثق صباح الخير سبّاحاً وفناناً ماهر اً، وفي منتصف النيل خارت قوى أحدهم فابتلعته مياه النيل محتضناً غنيمة السرقة (الحقيبة) في محاولة مستميتة من قبل رفاقه لإنقاذه.. ولكن كان للتيار العاتي والأمواج المتلاطمة رأي آخر، إذ رفضت مد يد العون والمساعدة، محذرة البقية من الإبحار في تمادي تلك المحاولات، وهذا ما شعر به الواثق ورفيقه.. مما حدا بهم أن يتفرقوا، فقطع الواثق ما تبقى له من مسافة الى الضفة الاخرى، بينما قرر الآخر العودة الى شط الإنطلاق، فوجد الشرطة تبارك لنفسها القاء القبض عليه، وتبارك له سلامة الوصول.
خطة سرقة الأسواق الحرة.. أشهر قضايا الواثق
لم تسلم المرافق الحكومية من مخططات الواثق ورفاقه، وحادثة سرقة الأسواق الحرة ليست ببعيدة عن أذهان من عاصروا تلك الفترة من النظاميين والمواطنين، فقد كانت أطرف سرقة استخدم فيها ذكاءاً آخاذاً إذ استخدم في منحى آخر لكان نتاجه يخدم الوطن والمواطنين، فبالرغم من الحراسة المشددة والإجراءات الإحترازية تمكّن الواثق وزملاؤه من سرقته بذكاء يحسد عليه، إذ شابت مفاوضات العملية إسقاط مسودات المقاومة والعنف، فخطة سرقة الأسواق الحرة اسطصحب فيها عاملا الملاحظة، وإستراق النظر فجاءت المحصلة أن الأقفال تظل معلقة على الأبواب دون إغلاق.
قبل انتهاء دوام الأسواق الحرة اتجه فريق العمل وفي مقدمتهم الواثق صباح الخير وبمعيتهم أقفالاً تشبه تماماً المستخدمة لأبواب الأسواق وتمت عملية الإستبدال، لحين العوده مرى اخرى بعد إنتهاء الدوام، وهذا ما كان لهم، وشرعوا في فتح الأقفال بسهولة كيف لا وهم من اشتروها بحر مالهم، الأمر الذي أدى الى عدم لفت أنظار الآخرين، وقد كانوا يرتدون الزّي الموحّد، وفي رباط جأش تام وبتروٍ قاموا بنقل البضائع التي يعج بها المستودع، والظريف في الأمر أن أحد المواطنين احتاج الى سلعة ما فتمت المعاملة التجارية داخل المستودع وكأنهم من يملكوه.
ففي الوقت الذي لم تكتشف فيه الجريمة حفز النجاح جينات الطمع عندهم لتكرار السيناريو مرة أخرى للإستحواذ على ما تبقى من بضائع عجزوا عن حملها في المرة الأولى ونجحوا في مهمتهم أيضاً للمرة الثانية وفي المرة الثالثة والأخيرة لهذا السيناريو وضعوا اللمسات الأخيرة بنقل ما خفّ حمله وغلا ثمنه، ثم قاموا بإرجاع الأقفال الأصلية التي تخص مخازن الأسواق الحرة الى وضعها الطبيعي. وهذا ما صب في مصلحتهم عند إكتشاف السرقة، بعد أن تم توجيه أصابع الإتهام الى كل من له صلة من موظفين وعاملين بالسوق الحر دون أي وجه حق أو ذنب اقترفوه.
المقولة الأشهر التي ترمي بعدم وجود جريمة كاملة كشرت عن أنيابها إحقاقاً للحق، ففي نشوة نجاحهم وإنفعالاتهم بالغنيمةه وصرفهم صرف من لا يخشى الفقر هنا وهناك، أراد أحدهم توريد المزيد من الأموال ببيع بعض البضائع المسروقة حتى تكون حاضرة في مهرجانات أفراحهم، وبالفعل عرض بعض تلك المعروضات في سوق مشهور، وهي ذات الشهرة التي يعيها تماماً رجال المباحث بأن المجرمين يروجون فيها حصيلة سرقاتهم، لذا دائماً ما ينتشرون فيها بحثاً عن خيط وإن كان واهناً فهم يعون تماماً كيفية إحاكته بمترار خبرتهم الطويلة الممتازة.
اشتبه رجال الشرطة فيه وفي بضاعته وأمطروه بوابل من الأسئلة والتحري فلم يجد بداً من الإعتراف سيد الأدلة بسرقتهم لمستودعات الأسواق الحرة وقام وأرشد عن البقية وأماكن تواجدهم، تناهي الى مسامع زملائه بأن الشرطة في الطريق إليهم فنفدوا بجلدهم الى احدى الولايات، وليتهم اكتفوا بهذا القدر إذ قاموا بسرقة السوق الحر بتلك الولاية وبنفس الخطة والكيفية التي تمت بها سرقة السوق الحر بالخرطوم، ظلوا مدمنين لمشاهدة فليم (توم آند جيري) بينهم والشرطة ااستخدموا فيه أسلوب الحل والترحال والإحلال والإبدال بين المدن أملاً في إنقطاع سبل العثور عليهم.
محاكمه الواثق
جيء بالواثق صباح الخير للمحاكمة والتي سبقتها حملة إعلامية غير مسبوقة تبشر المواطنين بالقبض على أخطر مجرم في تاريخ السودان.. وتهييء الرأي العام مسبقاً لحتمية إعدامه وصلبه.
كانت محاكمة اهتاجت فيها العواطف لحد كبير وألقت الأساطير التي نسجت حول الواثق واشتط فيها الناس حينذاك بظلالها عليها لحد كبير.. فأصبحت زخماً إعلامياً.. أكثر منها محكمة عدل وقانون.. جيء به مقيد اليدين والقدمين مرفوقاً بقوة ضاربة من الحرس.. كان ذلك بتاريخ 13/6/1984، حيث قدم وكيل نيابة الطواريء الى تلك المحكمة أربعة بلاغات من ضمنها بلاغ مدون بمدينة الخرطوم بحري والذي ذكر فيه الشاهد أن ثلاثة أشخاص (تعرف منهم على الواثق و حسن أبوعنجة)، قد نهبوه مبلغ 14 ألف جنيه.. و75 قرشاً.. وذلك بعد أن قيّدوه تحت تهديد السلاح..
وتمت إدانة الواثق صباح الخير تحت المادة 334 عقوبات.. إلا أن المحكمة لم توقع عليه أي عقوبة.. لعلمها أن الجريمة كانت قد وقعت في ظل قانون العقوبات الملغي لسنة 1974م والذي كانت تقرأ مادته على أنه يحاكم في مثل هذه الجريمة باعتبارها سرقة عادية، حيث لم تتوافر فيها شروط حد الحرابة.
في غمرة الإندفاع المحموم للتنفيذ (الفوري) للحكم الصادر بحق الواثق صباح الخير القابع في زنزانة خرساء الجدران منتظراً مصيره المحتوم في مساء ذلك الخميس الصيفي.. كان لابد أن تغفل بعض التفاصيل اللازمة لإكمال تنفيذ الحكم.. مثل إجراء الكشف الطبي على المحكوم والتأكد من لياقته الصحية للتنفيذ.
أغفلت مثل هذه التفاصيل.. وتم اعتبارها غير ذات شأن غير أن المعضلة التي برزت في وجه السلطة المنفذة هي مسألة المصادقة على تنفيذ الحكم.. إذ يتعين في كل أحكام الإعدام أن ترفق مصادقة رئيس الجمهورية (أو من ينوب عنه) بتوقيعه.. ضمن محضر الإعدام.
كما يتعين أن تتلى هذه المصادقة على المحكوم عليه قبل تلقينه الشهادة وإعدامه.. وتقوم السلطة القضائية بندب قاضٍ لحضور التنفيذ وبطرفه هذه المصادقة.
ونسبة لغياب الرئيس الراحل (نميري) عن البلاد حينذاك، فقد كانت سلطة التصديق بيد من ينوب عنه، أما ما حدث في تلك الليلة هو تأخر مصادقة نائب النميري على الحكم حتى وقت متأخر جداً، ربما حتى الساعات الأولى من فجر الجمعة، وقد كانت هنالك مساع للاسترحام.


ذهب البعض عند تأخر نائب النميري في المصادقة على الحكم الى إرجاع هذا التأخير لصحوة ضمير ألمت به دفعته لرفض المصادقة.. وذهب البعض الآخر الى أنه (النائب) يود أن يرجيء التنفيذ حتى عودة النميري.. وقيامه شخصياً بالمصادقة على الحكم.. حتى لا يلقي النائب ربه ودم الواثق في عنقه.. فقد كان النائب صوفياً وعلى قدر من التدين (أو كما قيل).
المهم في الأمر أن سلطات السجون لم يعد باستطاعتها تنفيذ الحكم دون وجود قاض منتدب من الهيئة القضائية.. ومعه تصديق رئيس الجمهورية على الحكم.
وصادق النائب في وقت متأخر جداً من تلك الليلة، ثم وجدت سلطات السجون نفسها في مواجهة معضلة (فنية) لم تكن في حسبانها كان أن تبين فجأة لسلطات السجن أنه لا يوجد لديها (مصلبة)، فلم يسبق تنفيذ هكذا أحكام من قبل ولا يوجد في إرث السجون الحديث أي سابقة لتنفيذ أحكام بالصلب.. كما أن الحكم لم يفصل كيفية الصلب ومدته.
غير أن المعضلة الحقيقية لسلطات السجون في تلك الليلة وهي المنوط بها إعدام وصلب هذا القابع في زنزانته.. تلك الزنزانة ذات الجدران الخرساء.. كيفية توفير (مصلبة) يشد عليها جسد الواثق بعد إعدامه، وذلك في خلال مدة لا تزيد في أقصاها عن (٨) ساعات هي المتبقية من شروق يوم الجمعة التي كانت آخر ليلة له.
===
إضاءة
لم تسجل للواثق صباح الخير حالة سفك دماء واحدة رغم خروجه عن القانون.. ورغم تفرده بكونه أول وآخر شخص يصلب في تاريخ السودان الحديث منذ استقلاله وحتى الآن.





ـــــــــــــــــــ
الوصول الي ديار المشنوق المصلوب ..
د. على المك
(عن مجلة كتابات سودانية وسودانيز اونلاين )

هذا شأن العمران ودأبه في مدن السودان، بيوت البوليس والسجانة كانت تلفظها المدن إلي أطرافها البعيدة، تظن أن العمران لن يبلغ تلك المجاهل النائيات.


وبعد عهد ليس بطويل تحيط بها البيوت من كل جانب ويتغير تبعاً لذلك موضع القلب من المدينة وكذلك سائر الأعضاء. وهذا ايضاً حال الأحياء الشعبية. و"شعبية" بحري بعضها اختفت الآن معالمها القديمه شيئاً، قل: درست فحين انشئت أول مرة كانت كماً مهملاً علي أطراف بحري بيوت من "بلوكات" الأسمنت، ممسكا بعضها برقاب بعض، شكل واحد هيئة واحدة، ليس هناك ما يميز بيتاً عن آخر، المهم إلا إذا غرس أهله في حوشه الضيق شجرة نيم أو بان، أوشيئاً من نبات سريع النمو نسميه (العوير) لا ادرى لماذا ولا نسأل. أسقف البيوت دونما استثناء من "الزنك". وأهل البيوت من الحرفيين والعمال والصناع – علي العموم: المساكين .. ومن بعد أن انتفخت أوداج المدينة علي مر السنين، صارت بيوت الشعبية قريباً من مكان القلب، فطمع فيها أصحاب القصور وأصحاب الفلوس فجاءوها من كل صوب من الخرطوم ومن الفاشر وبورتسودان ثم من ودراوه وشرق النيل ومن بحري نفسها جاءوا . ضاع إذن طابعها المميز فصارت وكأنها لا ترى، أحاطت بها العمائر السامقات والبيوت الأنيقة وهوائيات التلفزيون الملون .. وتأكلت.
هناك كوشة في طرف ميدان الكرة غربه تُفضى الكوشة إلي زقاق بالشعبية به بيت حسن ابوعنجة وعلي طرف الميدان الجنوبى بيت الواثق صباح الخير كلاهما ينظر إلي صاحبه جدار البيت من الطوب يختلف من نمط بيوت الشعبية .. قال عبدالمنعم صباح الخير: هذه ليست الشعبية أنها تعويضات شمبات كان القوم من اهل شمبات نفس النظرية تنزع الحكومة ارضهم وتوزعها للموسرين بحجة التخطيط وجمال المدن وهلم جرا .. وتعوضهم ثم تنزع وتعوض .. حلقه مفرغه.

نقدم لكم عبد الكريم محمد خير وزوجته فاطمة صباح الخير.
جلسنا في البرندة التى تفتح صدرها للهواء الجنوبى العذب، ذلك الذى يلثم الوجوه آن الصيف.. سقفها جريد، جدرانها الطين السميك .. تحمى من الشمس حجرة نوم، تختلس العين منها طرفاً دولاب وسرير كبير، وبعض ارض من الرمل مرشوشه رطيبه.

عبدالكريم محمد خير يعمل بناء عمره ثلاثون سنة زوج فاطمة صباح الخير أخت الواثق، تكبر الواثق بعام او يزيد قليلاً - طريدة الواثق .. تزوجا في مارس عام 1984. والخلاصة طفل يحبو، يقع ويقيف .. عبدالكريم من أهالى الشعبية أيضاً .. يروى: كنت أعرف الواثق من بعيد، انا أكبر منو، لكن أخوه عبدالمنعم الكبير ودفعتى في المدرسة بعد ما عرفت الأسرة. وخطبت فاطمة أخته عرفتو اكثر .. إنسان كويس .. ودود .. بعد زواجي بي زى شهر كده جا في البيت عدد من بوليس ام درمان .. الدنيا صباح كانت.. أنا نايم .. قالوا قوم قوم قوم يا الواثق .. قوم يللا معانا .. عريس جديد أنا وأمشى معاهم؟ يا ناس أنا ما الواثق .. أنا نسيبه .. مافيش فايدة قوم أمشي معانا. عرفت أن الجماعة ديل قاصدين الواثق عديل.. شالوني معاهم للقسم الأوسط أم درمان . وكان معاى 9 أنفار سألونى ماشفت الجماعه ديل في حياتى . الشاهد قعدنا في الحراسة من دقش الرحمن لحدى الساعة 9 مساء أو بعدها شوية .. غايتو جناب القاضي جا في حوالى المعاد ده. وسال أنتو بتعرفوا الواثق؟ قلنا لا . قال للبوليس (فِكُوهْم) .. البوليس تحس إنو قاصدو قاصدو عايز يقبض عليه بأى ثمن. يوم تاني بعد زواج الواثق، كنا برضو الصباح بنفطر في البيت، الواثق وأنا.. جه واحد دق الباب ... انت منو؟ سألنا قبل ما نفتح قال: أنا ما عندى اسم .. قلنا ليه لما تعرف إسمك نفتح ليك رجعنا نأكل .. قلبي أكلنى .. بعد دقائق طلع الواثق شاف زول قاعد بعيد جنب عمود الكهرباء .. لابس ملكى .. لما الراجل شاف الواثق طلع مسدس.. رفعوا في ايدو .. زى العايز يورينا هو منو .. وبعدين دساهو في جيبو ومشى .. وكتير البوليس ضدنا..

نقدم عبدالمنعم صباح الخير..

الواثق كتلوه علي 22 سنة بس .. دخل المدرسة وقرأ فيها لحد سنة تالته ابتدائي، طلع اشتغل مراسله في مصلحة الوابورات الوالد نفسه شغال في المصلحة دي .. طلع من هناك اتجند في الجيش في مدرسة المشاة في كررى، اشتغل سنتين عمل مشكلة مع واحد عسكرى رفتوه .. طلع من الجيش ابتدأ يشتغل أعمال حرة، البوليس ما خلاهو يرتاح ولا يشتغل كل مرة داخلين علينا البيت عايزنو في تهمة .. حداشر أو اتناشر تهمة يرموه في الحراسة تطلع براءة مافيش حاجة..
كانوا دائما لما يجو في البيت ينطوا الحيطه طوالى, يصحونى من النوم .. يسألوا عنه أقول ليهم ما في يوم أنا راقد نايم جوا بلورى كومر Commer كبير. طلعت ليهم أختى قالت ليهم وكانوا ابتدوا ينطوا الحيطة وقفتهم قالت ليهم: الواثق مافي قالوا طيب في منو؟ قالت ليهم في أخوى عبدالمنعم قالوا ليها ناديه جات صحتني من النوم قالت في عساكر عايزنك .. سمعونى أقول ليها أنا ما ماشي ليهم جوا طوالى داخلين ببنادقهم الاتوماتيكية (قوم،قوم،قوم) (الضابط بره عايزك) مشيت معاهم الدنيا ليل شديد في الشارع نزل الضابط من الكومر ووقفونى قدام العربية وولعوا فوقى النور الشديد .. العساكر البره قالوا: لا لا ده ما الواثق..
يوم تانى في الصباح كنت ماشي ومعاى واحد صاحبى في بحرى .. الصدفة جابتنا المحكمة وده شئ طبيعي، تعرف لانو المحكمة والبوليس، وبوليس الحركة كلهم تقريباً جوه السوق. خلق كتيره جداً جداً .. فجأة ظهر قدامنا واحد من ناس المباحث زي الشيطان طوالى قال لي: الضابط عايزك ! عايزنى أنا ؟ استغربت جداً.. مشيت معاه دخلنا علي الضابط سأل :الواثق وين؟ قلت : لا أعرف بعد كده الضابط شال برنيطته وفات دون أى كلمة زياد، خلاني ليك مع عساكر المباحث، ديل ابتدوا يتكلموا معاى لازم توريا محل الواثق – ضروري جداً – ده علي منو؟ أنت عارف إلخ.. أصريت قلت ليهم: أنا ما عارف محله لما زهجوا منى واحد لازم كبير قال : دخلوه الحراسة، ضيفوا لي بلاغ سرقة مسجل العربية والراديو. دخلونى طوالى أغرب حاجة في الحراسة لقيت واحد اتذكرت أنى شفته الصباح في ميدان الكورة جنب البيت.. وكنت شكيت فيه وسألته في نفس الوقت :يازول أنت بتعمل شنو هنا؟ قال لي: والله أنا منظر واحد شغال معاه عشان نمشي الشغل .. مشيت خليتو ، لما لقيته في الحراسة إستغربت جداً جداً .. ولما لاحظ قال لي: بعد ما أنت سألتنى ومشيت جوا عساكر وسألونى: يازول الواثق وين؟ قلت ليهم : والله ما سمعت بالأسم دا قبل كده، وأنا منتظر زميلى عشان نمشي الشغل سوا. طبعا ما صدقوا ساقونى معاهم، ولما جيت الحراسة قال واحد كبير منهم ضيفوه لي سرقه مسجل العربية !! وستطرد عبدالمنعم تانى يوم ونحن لسه في الحراسة ساقو الراجل ذاتو لحراسة بحرى، وفي اليوم الخامس طلعونا سوا ساقونا لفسحة مركز بحري وقفونا في الفسحه أنا والشاب ذاتو ومعانا ناس تانى . وقفونا طابور وقالوا: امشوا مشينا زي خمسة أمتار، بعد شوية جابوا قصاص الأثر.. ابتدأ يمشي ويجي ويعاين بعدين رفع رأسه وقال ( الزول هنا مافى) أطلقوا سراحنا طوالى .. الواثق دى أخوى الصغير يعني أنت عارف .. صلتى بيه حميمه ... كنا بنلعب كورة سوا، زمالة الرياضة شئ جميل وشئ عظيم، مرة كان عندنا مهرجان رياضي في ميدان (الجهاد)في الشعبية، بعد نهاية المهرجان كنا قاعدين نرتاح ونتونس .. ظهر تاكسي، وراه طوالى عربيه ثان وقفوا جنبنا، نزل منهم ناس شايلين مسدسات قالوا : كلكم قوموا فوق .. يلا قوموا فوق ... منا فوق عاينو فينا كده أخذوا الواثق معاهم وكما اتنينزملا تانين واحد اسمه محمد والثانى ميسرة .. عاينوا لي بحزم وقالوا ممكن تجنب لهم غيار في مركز بحرى.. الجماعة طبعاً كانوا بي لبس الكورة.. ميسرة بس ما كان لاعب ولابس عادي.. العربية طلعت طويل ... رحت البيت شلت غيار للواثق ولصاحبنا محمد .. مالقيتهم في مركز بحري وطيب؟ قالوا نقلوهم نقطه كوبر .. بالسرعة دي؟ في نقطه بوليس كوبر أول حاجة تضرب عينيك الحراسة، يازول أول ما دخلت كده اشوف ليك محمد رابطين ايدينو بالكلباش مع حديد الباب طوالى جسمه كلو جارى دم .. سالت بسرعه: الواثق وين؟ قالوا ودوه نقطه كوكو .. بالسرعة دي؟ دخلت لقيت واحد لابس جلابيه بضرب الواثق بالعكاز ويقول ليهو أنت قايل نفسك وين؟ دى حلة كوكو، يضرب يضرب والواثق ثابت وفي شوية عساكر بوليس لابسي رسمي واقفين يتفرجوا ... لحظة زي البرق الواثق قبض من أبو جلابية العكاز، ودور فيهم كلهم ضرب


رحمه رابح الأم

ويكتفوا لحدي ما يهدأ ويقول ليه عشان ما تكشف حالنا مع الجيران زمان ما عندنا عناقريب كفايه يجي يلقاني راقده في الواطه .. لما يشوفني كده طوالى يبكى(عمري ما متأكده منو) قالت سوداء نبيلة السواد، طويله وجسدها يبدو قوياً، ولا توحي بالبدانه شلوخها مطارق، ليست شلوخاً عميقه ولكنها تستوقف العين قبل الخدين جاءت في ثوب بسيط أبيض زهيد الثمن.. لا أظن أنها تجاوزت الخمسين ... جميله. قال: الواثق كان أبوى وأخوى وأمى (اجهشت ببكاء حار جداً إستمر دقائق) بعد أن تماسكت قالت كل تصرفاته معاى من صغير احد ما كبر والله ما غلط علي بكلمه .. اشتغل في البابورات ما قصر، اشتغل في الجيش ما قصر .. قليل كتير كله للبيت ولي أخوانه لما كان في المدرسة يقش لي البيت، ويغسل العده ويساعدني وكمان يدق لي الشطه والبهارات ويختها في العلب .. هو فرق واخوانه فرق، ارسلو أي مكان يمشي ولو طلع يتعشي مع اصحابوه ما بنساني يجي شايل لي عشاي بكره الخمره .. أبوه بشرب كتير.. كان يشرب ويعمل مشاكل في البيت .. الواثق كان يزعل جداً من الحكاية دي .. طوالي يمسكو .. ويتنازل عن عنقريبه وينوم في الواطه .. كل حكايه دي سمعناها عند الناس بس .. لما مرقوه من السجن وعملنا ليه كرامه قال إلا يعرس .. كان خاطب، اتحنن وسار تاني يوم طوالى .. السبت كان دخلته، قال يا أمي الأحد عرس أختي، أختو فاطمة دي كانت مخطوبة قلت ليه يا ولدي أخرو شويه اصر علي رايو .. وتم عرس فاطمه كمان الواثق في امانه الله اتزوج، وسافر ، بعد ما سافر وجا عندو أخت مخطوبة ناداها قال ليها عرسك متين قالت : لسه قال تعرفي يا
أمى أنا عايز أجهز لأخواتي كلهن عشان بالي يكون فاضي...

صباح الخير دراج
العمر 70 سنة
يعمل في النقل النهري باشبحار..
الميلاد: الصبابي بالخرطوم بحري..
التعليم الخلوة..

صفته أسود سواده بعض نبيل قصير القامة نوعا خفيف الحركة .. صحة جيده فيما تبدو ذلك الصباح
قال: الولد ده الله يرحمه ويحسن اليه مما قام ما غلط علي، البلقاها كلها بناولها أمه ما بشرب سجاير ولا خمرة ولا سعوط .. لما يلقاني شارب وعامل دوشه يكتفني ويخلني في الأوضه عشان الجيران ما يسمعوا شئ .. أنا بشرب من المغصه محمول عندي في ضهري ده 6 بنات غير الماتو ما هيتي كلها مايه كام وعشرين.. وشغال في البابورات دي من سنة 42ّّ تصور وما اتقدمت في الشغل، تعرف الناس الكانوا بعوسوا لي الكسره في البابور حسي دي يقوا ريسين( من ريس الوابور) والحد حسي ماهيتو تحصل 400 أو 500 جنيه أنا ما زادت حاجه من 42 بس من بحار لي باشبحار ما بعرف اشتكي ولا اكتب طلب، مستني رب العالمين .. الخمره البشربها دي قروشه ما منى – من الأخوان يجي ماري واحد بالشارع من الجماعه المرتاحين البعرفهم اقوم اشتموا وأنا شبعان ( يعني سكران جداً) بكره يجي يناولني ويقول يا صباح الخير لو اديتك هسع بتشتمنى تاني؟ أقول ليه: لا .. اقبض منه أمشي الحله طوالى ويجي تاني اشتمه نعرف أنا زهجت من شغل البابورات ده أحسن يدوني حقوقي أعمل لي دكان أربي أولادي .. عندي الأعصاب، يودوني المصحه 15 يوم شهر شهر ونص وارجع الشغل تاني .. وتزيد علي لما اتذكر الولد الكتلوه ده قبال
ده كان في الحراسة في المديريه رسل قال داير ضمانه., مشيت اضمنه القاضي سال ده ولدك؟ ورددها 3 مرات وقال: تحلف القسم .. اقسمت علي المصحف وبعد ده كله رفض ضمانتي قمت قلت ليه انت العملك قاضي منه؟ لأنك بليد والعملك قاضي أبلد منك ... عشان القانون ما بيخليك تحلفني علي الولد خاله، عشان الجنا بحلف عليه خاله أخو أمه، ويقول ده ود أختى، برضه ما نفع الكلام مولانا اباه ما قبل الضمانه ( لاحظ الشبه بين رأى صباح الخير في القاضي ورأي ابنه عبدالمنعم في وكيل العريف)

البوليس كان ورا الواثق طوالي أهم حاجه إنه كانه يكره كعامله البوليس للمواطنين في الحراسة ويقول ليهم خلوني أنا بدخل ليكم المتهمين بالذوق. وما بيسمعوا كلامه والحال في حاله ضرب ونهر وزجر إلخ .. قبال ده ودوه للقاضي وجابو اوراق القضية القاضي سأل البوليس ون المعروضات المسروقه؟ ماعندهم معروضات القاضي أمر: أمشي يا واثق خلاص مافي حاجه لكن الجماعه وراهو.

تعرف الطوارئ بتاعتم دي أنا ما سلمت منها .. قبضوني شارب مبسوط جلدوني,, ودي الحكايه ,, مره بالليل بشرب براي قدام البيت أيام الطوارئ ديك... شرابي كمل ... الليل سرح والرأس إتملا اتهيأ لي أنو طيارة الصباح جات .. ودي بتمر فوق راسي كل دقش واصحى بيها أن كنت نايم واشوفها ... أتارى الساعه كانت اتنين بس .. قمت مشيت بيت الدينكا .. صحيت مديرة البيت شايل الفاضي في ايدي ما كضبت عبت لي قزازتي لي عيبنه طلعت اقدل في الشارع قزازتي في إيدي بس في السكه لاقوني اتنين من الجيش شايلين سلاحهم .. واحد قال بالحرف: تعال يا عمو المسأله باظت، ما قاومت ابداً، عندي قلق شديد يجيني طوالي وزهج انا محمول يا زول الجماعه ساقوني ودوني علي المركز الجماعه في مركز بحري بعرفوني إعتزرو لي وقالوا: تعرف يا عم صباح الخير لو القبضوك ديل كانوا بوليس كنا اطلقنا سراحك لكن الجيش ده صعب نار اللحظه ديك يا دوب النباه في جامع السيد علي علي ابتدأ ينبه
قالوا تمشي الدكتور للكشف مشيت.. زولك مما شافني بدون كشف قال سكران، جابوني الحراسة .. استلموا القروش المعاى فضل لي بس ريالين .. دخلتي الحراسه قفلو الباب نطوا فوقى المحتجزين، واحد يخنق وواحد يدافر وواحد يلكز .. كله ده عايزين القروش العندي .. ما لقوا حاجة فكونى بعد شوية شبكونى (يا أبو الواثق ما عندك سفه؟) قلت ليهم لما انتو عارفيني أبو الواثق عايزين تضربوني ليه.. إعتزروا إعتزار شديد.

القاضى سألني قلت ليهو أنا ما شربان لكن شايل دا اشربوا لأنى أبو بنات ومحمول .. ولازم أشرب ... القاضي حكم قال: عشان سنك حكمنا عليك بــ40 جلده و10 جنيه غرامه يعني يا صاحبي سخره وخم تراب الزازه بــ10 جنيه والغرامة 10 جنية غاظونى العساكر يدفقوا في العرقى في الأرض ويقولوا (والله عرقى شديد يا أبو الواثق) وما تنسي 40 جلدة .. أها ده ما بيجيب المغصة. وحكاية ثانية فيها قاضي كمان ده كان أيام الدنيا سمحه قبل البسموها الشريعه دي الدنيا نهار حار رسلت البت تجيب بن من الدكان، تعرف رأسي كان فار وعايز قهوة .. البت إتاخرت، طلعت حفيان بلباسي ودارع القميص في كتفي ومشيت أفتش ليها .. الرماضه حرقتنى شديد جات عربية اشرت ليها وقفت كان سايقها قاضى ساكن قدام في الحلة وابوه صاحبى والله وبعدين؟ يازول اتوكلت ونسيت البن والقهوة وأي حاجة ، يا زول ركبت حفيان ، ولبست العراقى جوه عربية مولانا، كان زول ظريف خلاص، سألني بي أدب (علي وين؟) قلت ليه... أمشي الله بفتح عليك، طوالى علي بيت كيدان الحبشية يا زول عندها كلوميت ومرايس تدوش الرأس .. والله مولانا ما سالني وكان ممكن يوديني السجن، نزلني وفات ... الحبضية لما فات صرخت وقالت: ويجيبك القاضي كمان
اللحظة الأخيرة في "الشعبية"
ترويها رحمة رابح (أم الواثق)

يوم في الصباح ..بدري دق الباب دق زي وقت الفطور كده .. قلت ده منو؟ قال عايز الداسق (بالدال والسين)، قلت (وقد شعرت باللعبة):الرسلك منو؟ قال: حسن أبو عنجه قلت ليهو : ما ممكن خسن مقطوع ايد وكراع وراقد مستشفي. الراجل قام مشى .. طوالي مشيت للواثق ومعاه عبدالكريم وقلت ليهم: دا واحد يسأل منك ورديت عليه واظنه بوليس .. الواثق ضحك وقال: عرفته بوليس كيف؟ ولكنه طلع يشوف مالقى زول ... أتاريه إختفى عند المكوجي وعبدالكريم لما طلع اكتشف الحكاية والراجل لما شعر مشي وغاب في الشارع واحده من بنات الجيران جايه علينا لقت الواثق بتحضر عشان يمرق قالت للواثق أوعى تمرق أنا لاقيت زول بتلفت بطريقه مريبه ويمكن يقبضك‍ قال ليها الواثق:أنا ما عندي مشكله مع زول وعلاً طلعة الواثق البوليس ظهر تقول من تحت الواطه، ومشى علي الواثق ، الواثق حاول يرجع البيت، البوليس كورك ليه: أقيف أقيف .. لما سمعوا الكلام فاطمه بتي وصاحبتها جروا الواثق جوه البيت .. وهتفت للعسكري: الواثق اهو لو عايزو خشي ليه العسكري فات الواثق طلع تاني وقال لي: يمه الليله أنا عايز كسره بي ملاح أم رقيقه ... عشان أنا وأخواني نأكل ... عملت الملاح اليوم داك والكسرة .. لكن لا نحنا اكلنا ولا هو اكل ...

البوليس جه تاني كيف؟ كنت أغسل العدة . بايت لي ثوب في المويه ما عارف كان حاصل لي شنو .. دخلت علي الواثق لقا ودعمته في البيت قال ليه: قوم اكوى لي جلابية أطلع بيها . سمعنا في اللحظات ديك عربية الجيران دورت بسرعة وطلعت بسرعه .. زي الشايله ليها خير .. دقائق بعد كده الباب دق قمت علي الباب قلت
- الزول دمنو؟
- ما يفتح لي زول ما يعرفه . أخير تقول إسمك
- انا البوليس

فتحت الباب الواثق كان قاعد بي بنطلون وفنله .. البوليس دخل براحه ماشي علي الواثق، الواثق كمان ماشفه، مشي طوالى رأس بيت الجيران رفعت رأسي لقيت روسين البيوت الجنبنا كلها بوليس .. جات فاطمة بتي جارية لي اخوها وقالت إتخارج البوليس طوق البيت ... ما كان في فرصه .. طلع ليهم ... ضابط بوليس قبضو بعنف من اكتافه. الواثق نهره قال ليه: أنا ما بمشي معاك بالنف بالحسنه بمشي .. الضابط فكاه .. الشارع كله الميدان الكبير ده كله اتهيأ لينا مليان بوليس وكان عدد كبير منهم عشرات بعضهم شايلين مسدسات وفيهم الشايل بندق .. وسلاح كتير ... عربات كتيره والمحل اتملا ناس ... طلعوا المسدسات في وشه .. قال مهما كان ما بطلع إلا أغير هدومى، أنا ارتكبت جريمه ..؟ طلب الجلابية ديك ، فاطمة ناولته ليه بالحيطه .. أخته الصغيرة بدت تبكي بكاء شديد واحد ضابط قال ارفعوها في العربية ، الواثق نهره وقال بشده: أي واحد يهبش واحده من أخواتي ما حيحصل معاه طيب ... بعدين ركب في البوكس ورا وقال بعد ما ركب يا ضباط .. يا عساكر .. أنتو يا شعب أن بقيت حى في الدنيا دي بنتلاقى .. وأن مت خلاص).

بعد ما ساقوه البوليس رجع البيت تاني فتش في كل ركن فيه وحفروا الأرض واحد فيهم دخل ايده في زير المويه وقال إنو في سلاح جوه الزير‍ دخلوا الأوضه شالوا تلفزيون وجهاز ستريو .. فتطمة بتي حصلتهم ومعاها فواتير الشراء خجلوا رجعوا التلفزيون والاستريو .. لسه الجمهور مالى الساحة خلق كتيركتير كتير ابتدأ البوليس يفرق فيهم بعنف، أعتقل بعضهم ولكن فكوهم طوالى .. هددوهم وقالوا: لو لقينا فيكم واحد في اي زمن جنب البيت ده ما حنسيبوا.

شالوا الواثق مركز بحري، ناس بحري قالوا مافي جريمة تحاكموا هنا ودوه أم درمان القسم الأوسط في المحكمة عرضوت قضية السوق الحر ما اتعرف عليه مشتري المسروقات، لكن أتعرف علي جماعه تانين وحاكموهم.

2/1 كلمة من فاطمه صباح الخير

أنا كنت بودي ليه الأكل في كل مرة يتسجن فيها وكان دايما يقول لي ويوصيني يافاطمة أوعى تتشاكلي في البيت مهما كان‍

الطريق إلي النهاية: رواية عبالكريم محمد خير

ختوه محبوس في القسم الأوسط أم درمان 2 يوم، قدم بعدها للمحكمة .. طلب محامي .. المحامي أيام الطوارئ السودا ما بتكلم ممنوع بس ينصح المتهم والمتهم هو البتكلم .. جابوا الشهود سته عساكر من بحري، والقضية في أم درمان تصور‍ لكن كانوا مجهزين، حلفوا اسم الله بالزور، بعرف واحد اسمه صالح حسين وواحد تاني اسمه عليش .. بدون مستندات .. قالوا كان بضربنا .. نفس بوليس بحري الجبان ده ضربوا بالرصاص في العشش وكان نايم.. المكاشفي ما اداهو فرصه يدافع عن نفسه، كلما يطلب كلمه يتجاهلو ويدي الفرصه للعساكر، وفي الآخر قال ليهو: بكره نديك فرصه تدافع عن نفسك .. بعدين رفع الجلسه ورجع بعد دقائق وفاجأة بالحكم القاسي بعد الحيثيات إياها.. بعدها نطق بالحكم الواثق قال ليه: شكراً .. رحنا انتظرنا في كوبر وجبنا محامي يعمل استرحام عند عمر محمد الطيب .. النميري الله لا رحمه كان مسافر قابلنا الواثق في مكتب السجن سلمنا عليه، كان يضحك ويقول: القاضي ده مجنون أنا لم اقتل أحد .. قلنا ليه: إن شاء الله ما تحصل عوجه .. وبدينا نطارد الاسترحام مشينا نفتش عمر الطيب‍ مشينا القصر، قالوا اللواء في القيادة العامة، فضلنا نفتش عليه من هنا يقولوا هنا .. وهنا وهنا لحد الساعة 2 صباح (أتذكر طائرة الصباح وسكره صباح الخير‍) .. قلنا نبدأ تاني يوم فجر .. كان يوم الجمعه ... مشينا السجن .. الواثق رفض يقابلنا قعدنا في الشارع .. الشمس طلعت فينا وكبرت.. ده يوم إعدامه .. أعدموه ونحنا بره سمعنا الخبر ... بكينا شديد ... جوا الناس قال: هوى الزول ده مات راجل قلنا: كيف؟ قالوا: لما ودوه المشنقه الشاويش أمر العسكري عشان يعلق الحبل الواثق قال ليه: تعال علقوا بي نفسك عشان تخلي للظلم ده الدنيا كلها

شيعه الوف من الناس .. وبكوه ... وقليلون من التقوا به واقل من عرفه
Share |
(   إطلاع: 3010   تعليق: 0)
المقالات والتعليقات تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر عن رأي أو توجهات الموقع-نرحب بالمراسلات والمشاركات علي البريد:keytabook@gmail.com